untitled
Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf
سـنوات وأيام مع جمال عبدالناصر
 
آل ســعــود فى بـر الشـام
 بقلم
الدكتور كمال خلف الطويل
  ومساهمة من سـامى شرف  
 
 

مايلي .. دراسة للدكتور / كمال خلف الطويل / عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي .

 

 

آل سعود في بر الشام

 

(1932-2005)

 

إنقضت ثلاثة أرباع القرن على اكتمال تأسيس الدولة السعودية الثالثة بوسائط الفتح والغزو والتوسع ... ودائما تحت عين الرضا البريطانية.

 

عرف الكثير عن دائب جهدهم للقضم هنا أو هناك في العراق والأردن وعن ضمهم لعسير اليمن وعن مناوشاتهم مع مشايخ الكويت والمتصالحات ومع سلطان عمان.

 

لكن ما ندر توثيقه في سردية تأريخية هو حميم رغبتهم ومحموم سعيهم لأن يكونوا في الشام – الاقليم أصحاب نفوذ في أقله وسادة قرار في أكثره.

 

من هنا سعى هذا المبحث لأن يخوض في هذه اللجة أملا في أن تتبعه مساهمات أخرى تسلط الضوء على زوايا معتمة من هذه العلاقة الطويلة والحافلة.

 

والحق أن السردية لا تزعم لنفسها صبغة أكاديمية ولا هي تخضع للتوثيق التقليدي إذ أنها مزيج متداخل ومتراكب من مراجع كتب وحوليات تاريخية ومشافهات شخصية.

 

 

 

 

 

* ما إن تمكن عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة من توطيد سلطته على معظم شبه جزيرة العرب برعاية وتمكين بيرسي كوكس – المعتمد البريطاني للجزيرة والخليج والتابع لمكتب الهند الإمبراطوري – عام 1932 حتى مد بصره شمالا على خط الأفق واصلا به إلى ديار الشام وطلبا لجملة أمور منها ما هو على المستوى الاستراتيجي وبعضها ما يقع في المجال العملياني.

 

في الاستراتيجيا: كان ما يطلبه يقع بين حدين ... الأقصى هو أن تكون الشام منطقة نفوذ له .. والأدنى ألا تكون لأخصامه الهاشميين بفرعيهم الأردني والعراقي أو حتى لمنافسيه المحتملين كالأسرة العلوية في مصر.

 

فيما دونها: كان ما يطلبه خبرات إدارية ودبلوماسية وطبية لا يجدها عنده وتحتاج سنينا ضوئيا لتحصيلها .. ثم شيء من تحسين النسل عبر التزاوج مع مليحات من الشام أو التسري بمن تؤمنهن أمواله.

 

لماذا الاهتمام بالشام لهذا الحد؟ لأن عبد العزيز قارئ حاذق للخريطة وفاهم همام لمعنى انكشاف العمق والخلفية فيما لو الشام خارج طوقه وتأثيره.

 

ولعل نظرة على عديد ونوعية الشخصيات "الشامية" التي صادقت أو والت عبد العزيز من أول شكري القوتلي وأمين الحسيني وأمين الريحاني وعبورا إلى يوسف ياسين وجمال الحسيني ووصولا إلى فؤاد حمزة ومدحت شيخ الأرض تنبئ عن شديد اهتمامه بتقريب صفوة القوم وتجنيد خبراتهم لصالحه.

 

تابع خلفاؤه نهجه فوجدنا شخصيات مثل معروف الدواليبي وأحمد الشقيري تتولى أدوارا حيوية في بلاط آل سعود عبر مراحل شتى.

 

والشاهد أن مثال النفوذ المقصود هو دوره في إيقاف الثورة الفلسطينية الكبرى عام 39 – ضمن باقة من الملوك العرب – عبر الضغط على الحاج أمين الحسيني زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية حينها تلبية لرغبة حكومة تشرشل البريطانية – السيد الأكبر – والتي كانت تريد التفرغ لحربها على ألمانيا وسد بؤر التوتر الشاغلة خارج المسرح الأوروبي.

 

غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية تأقلم عبد العزيز مع الصعود السريع والوازن للولايات المتحدة بأن نقل البارودة الكبيرة من كتف لندن لكتف واشنطن لكنه أبقى على بندقية صيد معلقة بكتف الأولى فاستبدل جون فيلبي المستشار الأوثق بالسفير الأمريكي ونال وعد الحماية العسكرية الأمريكية لحكمه ونسله من بعده مقابل الانصياع الفعلي للسياسة الأمريكية في المنطقة وفي الطليعة منها سياسات البترول تسعيرا وإنتاجا وتكريرا ونقلا وتصديرا.

 

طيلة سنوات ما قبل يوليو المصري ظل هم آل سعود جبه الخطر الهاشمي في الشمال فعقدوا حلفا تكتيكيا قويا مع فاروق خاتم السلالة العلوية، ورغم كرههم الدفين لهذه الأسرة التي دمرت دولتهم الأولى مطالع القرن التاسع عشر ودكت عاصمتهم "الدرعية" في نجد على رؤوسهم.

 

كان علويو مصر على نفس مستوى الاسترابة من هاشميي العراق والأردن ومن ثم تلاقت المصالح مع آل سعود.

 

ولضعف إمكانيات عبد العزيز من جهة ولجزيل ولائه لواشنطن من جهة أخرى كان دوره في حرب فلسطين–48 شديد الرمزية والتواضع.

 

والثابت أن شكري القوتلي الرئيس السوري الأول بعد الاستقلال كان وثيق الصلة بآل سعود لكنه كان في المقام الأول وطنيا سوريا بامتياز. من هنا وقوفه عام 48 في وجه اتفاق التابلاين مع شركة أرامكو الأمريكية وفي وجه توقيع اتفاق مجحف للهدنة مع إسرائيل بعد أن وضعت حرب فلسطين أوزارها.

 

والحاصل أن عقاب المخابرات المركزية الأمريكية نال القوتلي يوم 30 مارس 1949 عندما أزاحه عن الحكم عميل الوكالة اللواء حسني الزعيم قائد الجيش.

 

لكن المخابرات البريطانية لم تهدأ إلا عندما انقض عملاؤها على الزعيم وحكمه بعد شهور خمسة فقط – آب 1949 – واصلين بسوريا إلى عتبة هاشميي العراق .. أو هكذا بدا.

 

كانت تلك شهورا عصيبة لآل سعود وهم يرون عزيزهم في دمشق ينحى – رغم تفهمهم اللاحق لدواعي ذلك – ثم ليشهدوا اقتراب ألدائهم من قطف الثمرة الدمشقية.

 

دبّ فيهم محموم النشاط وبالتنسيق مع أربابهم في واشنطن فردوا الصاع صاعين وأعادوا انتزاع دمشق من قبضة البريطانيين وهاشمييهم في ديسمبر 49 أي بعد شهور أربعة فقط من خسرانها.

 

كان أديب الشيشكلي حليف وكالة المخابرات المركزية الأجدر – قياسا لنموذج الزعيم الأخرق –. إليه كان ارتياح آل سعود طيلة أعوام 50-53 عارما لأن في سوريا درعا واقيا من طموحات الهاشميين وصديقا دافئا لهم زارهم وتعاهد معهم وتعاقد.

 

عاد الإنجليز إلى الميدان في شباط 54 موجهين ضربة قاضية للحليف الأمريكي الحاكم مجبرينه على الفرار إلى عاصمة حليفه الإقليمي سعود عبر بيروت. والحق أن الفترة ما بين شباط 54 ونيسان 55 كانت رجراجة لدرجة انعدام الوزن. صحيح أن الشيشكلي الأمريكي الهوى قد أزيح لكن من حلّ مكانه كان كوكتيلا ضم بريطانيي الولاء وأمريكيي النزوع إضافة لقوميين وإسلاميين.

 

خلال تلك الفترة تحركت لندن بزخم من يقاتل بأسنانه حفاظا على بقايا إمبراطورية متداعية إذ دفعت بعميلها العقائدي الأهم نوري السعيد لتدشين حلف بغداد بالاشتراك مع أقرانه الإقليميين: إسكندر ميرزا في كراتشي .. عدنان مندريس في أنقرا .. ومحمد بهلوي في طهران.

 

كان البطن الرخو لهذا الحلف هو إقليم الشام ومن هنا مسارعة المتحالفين ورعاتهم لوضع اليد على مكونات الإقليم: سوريا ولبنان والأردن وشتاتها الفلسطيني.

 

رئس الحكومة السورية في عز اشتداد معركة حلف بغداد فارس الخوري والذي قيل الكثير في مدحه "لسابقاته" في النضال. لكنه في يناير 55 كان بامتياز داعية الانضمام لحلف بغداد ولم ينهه عن مساره إلا اصطدامه بعبد الناصر في مؤتمر رؤساء الحكومات العربية بالقاهرة ذاك الشهر .. وإلا سحب الثقة من وزارته في البرلمان السوري غداة عودته من القاهرة.

 

تأخرت محاولة ضم الأردن إلى ديسمبر 55 عندما حلّ فيه الماريشال تمبلر رئيس الأركان البريطاني فطرد بخفي حنين أثر الهبة الشعبية الرافضة للحلف. أما لبنان كميل شمعون فهو انضم للحلف بالسلوك رغم عدم الإشهار.

 

كانت إطلالة عبد الناصر على المشهد السوري – وبعد غياب الشيشكلي – في سبتمبر 54 عندما زار دمشق زميله صلاح سالم. حينها خاض محاولته الحازمة لثني نوري السعيد عن حكاية الحلف ومن ثم لإبعاد سوريا عن قبضته .. وبالتنسيق مع آل سعود.

 

لم تتبدل موازين القوى في الداخل السوري بشكل حاسم إلا مع اغتيال عدنان المالكي رمز العسكرية القومية – البعثية على يد الحزب القومي السوري والذي كانت وشائجه مع الإنجليز وحلفائهم الإقليميين من شمعون لنوري السعيد قائمة وفاعلة. حينها مال الميزان بكفتيه في اتجاه كتلة الضباط القوميين والبعثيين والتي كانت شديدة العداء لحلف بغداد وصناعه مواكبة لعبور عبد الناصر محطات باندونج وكسر احتكار السلاح والاعتراف بالصين الشعبية (من نيسان 55 إلى مايو 56).

 

ورغم أن آل سعود كانوا يرقبون بدهشة والتياع الصعود الصاروخي لزعامة جمال عبد الناصر إلا أنهم كانوا أكثر خشية وعداء للهاشميين خصوصا وأنهم ما فتئوا يخففون من قلقهم الناصري بتطمين أنفسهم أن مصر بعيدة ولا شهية لها للتوسع وكل ما تفعله أنها تتقي شر التوسع الهاشمي.

 

مع تأميم قناة السويس بات جليا أن سوريا قد حسمت أمرها شعبا ونخبا بالاصطفاف في خندق عبد الناصر بل وبدأت ترسل الإشارة تلو الإشارة طلبا للوحدة مع مصره.

 

الآن غدا أن ما كان صالحا من توافق مصري – سعودي حول الشأن السوري تجلى في إعادة شكري القوتلي رئيسا في أغسطس 55 لم يعد على نفس الدرجة من القيمة لعبد الناصر فهو الذي لا منافس له هناك بعد الآن.

 

ما الذي جرى حينها: اتفق اللدودان الإنجليز والأمريكان على التنسيق بغرض الانقلاب على الوضع الناشئ المؤيد بضراوة لعبد الناصر.

 

كان الترتيب بريطانيا في المقام الأول وشمل أطيافا عدة من النخبة السورية شملت: وجهاء دروز مثل حسن الأطرش وفضل الله جربوع .. وجهاء علويين مثل بدوي الجبل ومحي الدين مرهج .. الحزب القومي السوري ممثلا بغسان جديد وميليشياه التي هي عصب التحرك العسكري .. ساسة من أضراب: عدنان هاشم الأتاسي – عدنان العائدي – فرزت المملوك – سامي كبارة – منير العجلاني – صبحي العمري - هايل السرور – فيضي الأتاسي – ميخائيل اليان .. وعسكريون أمثال عمر القباني ومحمد معروف ومحمد صفا وحسين الحكيم. ولم يكن ساسة أقدم وأوزن بعيدين عن الترتيبات .. أمثال حسن الحكيم ولطفي الحفار.

 

وضع التوقيت بريطانيا ليتواقت مع موعد بدء العدوان الثلاثي على مصر – توقيت كان الشريك الأمريكي يشتبه به دون تأكد قاطع – وبغرض استفراد عبد الناصر في عز محنته دون سند ولا مؤيد.

 

يدخل على المشهد عند هذا المفصل رجل كان له كل الفضل في إجهاض ما دعي بالمؤامرة الكبرى: إنه عبد الحميد السراج.

 

ورغم أن المقام هنا ليس مخصصا لتناول الرجل (فلذلك ورقة أخرى تكتب بوحي لقائين ضماني معه في (28/6/2002 و 29/6/2005) إلا أن السراج هو بامتياز من كان حامي سوريا من المؤامرات من أول اغتيال المالكي في نيسان 55 وصولا إلى رفضه رشوة سعود في شباط 58. اخترق السراج شبكة المؤامرة الكبرى باقتدار وطوح برموزها بضربة قاضية قبل أيام قلائل من موعد التنفيذ ثم توج ضربته بتدمير خط أنابيب بترول الـ IPC البريطانية من كركوك لبانياس في عز العدوان الثلاثي على مصر.

 

تسبب كل ذلك للسراج بغضب مكتوم من نخبة اليمين المشاركة في الحكم ما لبث أن تجلى في محاولتهم إبعاده للهند ملحقا عسكريا في آذار 57.

 

والحاصل أن كتلة الضباط القوميين والبعثيين واليساريين التفت حوله لدرجة العصيان في معسكرات قطنا تلويحا بالزحف إلى دمشق فيما لو أصرّ مدنيوا الحكم من اليمين على نيتهم في الإبعاد.

 

تراجع اليمين واستمر السراج مديرا للمخابرات العسكرية ليخترق بعد شهور قلائل شبكة عملاء الكولونيل هوارد ستون الملحق العسكري الأمريكي والتي ضمت أديب الشيشكلي – مهرَّبا من لبنان – وإبراهيم الحسيني وآخرين. كان ذلك في آب 57.

 

تلاحقت ردود فعل القوميين على المؤامرة الأمريكية المجهضة فطرد الكولونيل ستون (وردت واشنطن بطرد السفير السوري فريد زين الدين) وطرد توفيق نظام الدين من رئاسة الأركان ومعه نفر من الضباط المحسوبين مثله على اليمين ضمت أسماء مثل طالب الداغستاني ومحمود شوكت وسهيل العشي وحسن العابد وزهير الصلح وهشام السمان وشكل مجلس قيادة إئتلافي للقوات المسلحة برئاسة عفيف البزرة رئيس الأركان الجديد والمحسوب على الشيوعيين وعضوية 23 آخرين منهم خمسة بعثيين وشيوعي ثاني و 17 وحدوي مستقل (كان كثر منهم محسوبين على الشيشكلي أيامه).

 

عند ذاك المفصل جن جنون واشنطن فمؤامراتها الانقلابية (الخالصة الولاء) فشلت والضباط المحسوبين على هواها سرحوا ويحكم البلاد – من وراء ستار مدني – مجلس عسكري يدين بالولاء لعبد الناصر في المجمل الغلاب.

 

ردت واشنطن بتصعيد حرب الدعاية ضد سوريا متهمة إياها بالاحمرار وجيشت الحشود التركية مهددة بالزحف إلى العمق وصلبت من سلطان حليفها كميل شمعون (والذي كما فعل عبد العزيز آل سعود في الأربعينات وكما رافقه – أي شمعون - في الفعل حسين الأردن بدأ بريطاني الارتباط ليتحول إلى أمريكي الولاء - مع بقية هوى بريطاني) ليجعل من لبنان قاعدة انطلاق للتآمر على سوريا مضافة إلى عراق نوري السعيد وأردن حسين (بعد إشهاره البيعة لواشنطن في أبريل 57 ونيله النعم منها مذ ذاك).

 

دخل على الخط في خريف 57 سعود الرياض بحجة الوساطة بين دمشق وجيرانها وإنقاذا لها من المخاطر المحيقة بها وهو في الواقع يبتغي قطف ثمرتها عبر إبعاد كل من عبد الناصر والهاشميين عنها وبتأييد أمريكي.

 

لم يستمع لسعود أحد - أو لم يجرؤ - فخرج بخفي حنين وازداد غيظه عندما وجد قوات مظلات مصرية ترسو في ميناء اللاذقية نصرة لسوريا ... رغم رمزية هذه الخطوة قياسا لموازين القدرة.

 

ورغم كم النفور الشديد من الهاشميين إلا أن عام 57 شهد تقاربا اضطراريا بين سعود الرياض وبين عبد الإله في بغداد وحسين في عمان دشنه إسناد الأول للثالث عندما قاد الإنقلاب على شريكه الوطني المنتخب – بقيادة سليمان النابلسي – في أبريل 57. جمع الخصوم مشترك عداوتهم المذعورة لعبد الناصر وقناعتهم أن ساحة الفصل هي دمشق.

 

كان عام 57 – بقدر أو بآخر – من أعوام الإرهاصات الكبرى. لكن حدثا كان بمقاييس تلك الأيام غير ذي قيمة وما لبث بعد أعوام قلائل أن تحول إلى شأن مفصلي النتائج جرى في ذلك العام المهم ألا وهو تشكيل نواة حركة فتح.

 

والحاصل أن جماعة الإخوان المسلمين كانت في أضعف حالاتها ذلك العام أي غداة انتصار عبد الناصر السياسي في السويس وصعود مد حركة القومية العربية لذروة قياسية بقيادته.

 

كان فرعهم في قطاع غزة محصور الأنفاس ضمن جو الإطباق المحكم عليهم في مصر تلك الفترة. لكن زمرة من جيلهم الثاني شعرت أن الاستمرار على حال الجمود الساكن لا بد ذاهب ببقايا الجماعة إلى الذوي خصوصا وأنهم ظنوا أن تجربة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة عام 56 برهنت لهم أن الاشتباك مع إسرائيل هو منجاة الإخوان إن شاؤوا التجدد قوة حية فاعلة تستطيع إحراج عبد الناصر في مقتل وهو الخارج من تجربة 56 بقناعة الحاجة إلى تجميد للصراع العسكري مع إسرائيل لعقد من الزمان ... لا أقل.

 

ذهبت هذه الزمرة إلى هاني بسيسو مراقب الإخوان في غزة بطلب الموافقة على تأسيس خلايا مسلحة تنطلق – بعد التأهيل – لشن عمليات إغارة على العمق الإسرائيلي المجاور ومستفيدة من تجربة الفدائيين التي رعاها عبد الناصر ما بين ربيع 55 إلى خريف 56.

 

رفع بسيسو الطلب إلى رموز إخوان المنافي ومنهم سعيد رمضان وعبد الحكيم عابدين ومصطفى العالم وكامل الشريف ويوسف ندا بتوصية عدم القبول لقناعته بعدم قدرة الجماعة في غزة على تحمل تبعات خطوة جذرية كتلك.

 

وافقت توصية بسيسو هوى الرموز المذكورة فشق الشباب عصا الطاعة خارجين منها بالجملة ومهاجرين عنها إلى المنفى الكويتي بغرض الابتعاد عن سطوة عبد الناصر وتحصيل مورد مالي مهم يمكنهم من التحرك لاحقا.

 

سرعان ما اكتشفت المخابرات البريطانية المتسيدة في الكويت تجمع هؤلاء الشباب ونياتهم ومقاصدهم وعزمت على توفير الحرية لهم في مسعاهم ليس حبا بهدفهم الاستراتيجي في الإسهام بتحرير فلسطين بل لأنهم خصوم عدوهم الاستراتيجي اللدود ... جمال عبد الناصر.

 

كان عام الإرهاصات 1957 في لبنان عام الاصطفاف الحاسم لقوى الداخل على إيقاع الصراع الناصري – الغربي.

 

دخلت "الوكالة" – عبر مدير محطتها غصن زعبي - بثقلها كله إسنادا لكميل شمعون في الانتخابات البرلمانية ذلك العام فرشت وزورت وأسقطت كل رموز معارضة القريبين في قليل أو كثير من أجواء عبد الناصر – وسواء بالقناعة أم بالضرورة –.

 

فيه أيضا حسم حسين أمره وأعلن حربا لا هوادة فيها على التيار القومي في الأردن بضفتيه ومدشنا عهد التوظف المباشر في "الوكالة".

 

إذن ما إن انتصف عام 57 إلا وكان سعود وحسين وشمعون وعبد الإله/نوري قد انتظموا في سلك "مبدأ أيزنهاور" المعلن في 5 يناير من ذاك العام مؤيدين – ولو بالتقية – من سنوسي ليبيا وعبد الله خليل/حزب الأمة في السودان وكذلك من بورقيبة تونس.

 

بقيت خارج الطوق مصر وسوريا فقط ... والأخيرة كانت ميدان الصراع بكل تجلياته.

 

تضافرت عوامل عدة وسط هذه الأجواء المستعرة لتوصيل مجلس القيادة العسكري إلى حتمية الالتحاف بعبد الناصر قولا واحدا.

 

وصلت الرغبة إليه في ديسمبر 57 فأرسل حافظ إسماعيل أحد أكفأ ضباطه لاستبيان الأمر واستكشاف صوابه من عدمه. لم ينتظر المجلس رد عبد الناصر فقرر منتصف يناير 58 أن يذهب بقضه وقضيضه إليه ليحسم الأمر.

 

عرف آل سعود بالخبر فغاب النوم عن جفونهم وهم يتخيلون الكابوس وقد آل إلى واقع مجسد. دبت بهم الحيرة إلى أن تفتق ذهن ملكهم سعود عن فكرة رشوة رجل سوريا القوي عبد الحميد السراج بهدف اغتيال عبد الناصر وإجهاض قيام الوحدة.

 

كلف الملك مستشاره للشؤون الخارجية يوسف ياسين "اللاذقي" ترتيب الأمر فقام الأخير عبر أسعد إبراهيم شقيق إحدى زوجات سعود بالاتصال بالنائب عزيز عباد للوصول عبره إلى السراج. باقي القصة معروفة وهي التي تأتى منها أن سعود افتضح راشيا لمنع الوحدة وشراء ذمة السراج ليكون مجهضا لها.

 

قامت الوحدة رغم التآمر السعودي الذي لم يكن له أن يتم دون معرفة واشنطن وضوئها الأصفر .. ورغم الجفاء السوفييتي المعبر عنه بغياب رجلهم خالد بكداش عن اجتماع البرلمان السوري لإعلان اتفاق الوحدة في 5 فبراير 58 وبرفض الحزب الشيوعي المصري الموحد حل نفسه والانضمام للاتحاد القومي.

 

قامت الوحدة لتحسم الصراع على سوريا لصالح حركة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر ومدشنة هذه الحركة كإحدى أهم القوى الصانعة للقرار العالمي ضمن كتلة عدم الانحياز الأوسع.

 

وما إن مضت شهور خمس على قيام الوحدة إلا وارتاع آل سعود لنبأ سقوط ألدائهم هاشميي العراق لتقوم على أنقاضهم جمهورية يحكمها تحالف قومي – شيوعي-عراقوي.

 

عشية ذلك الزلزال كان حليفهم اللبناني شمعون يهزم في حرب أهلية مستعرة أمام تحالف يدين بالولاء لعبد الناصر من رموزه رشيد كرامي وصبري حمادة وكمال جنبلاط وغيرهم.

 

لم يبدد قلق آل سعود إلا مسارعة واشنطن إلى إنزال خمسة عشر ألفا من قوات المارينز على شواطئ بيروت إنقاذا لشمعون من الطرد المؤكد من قصر القنطاري قبل انقضاء مدته بشهور من جهة وتمهيدا لتسوية مع عبد الناصر تحرم شمعون من التجديد مدة ثانية - كما كان سعيه المحموم - وتمهد السبيل أمام فؤاد شهاب قائد الجيش رئيسا لحل وسط ينهي الحرب.

 

كان إنزال المظليين البريطانيين في الأردن قادمين من قبرص عبر الأجواء الإسرائيلية ذات الفترة سببا مضافا لبث الارتياح في نفوسهم وتطمينهم بأن حليفا – ولو لدودا – لا زال على خاصرتهم الشمالية كيانا عازلا أمام التمدد الناصري جنوبا.

 

ضاعف من ارتياح آل سعود أن أواصر التحالف القومي – الشيوعي – العراقوي في العراق سرعان ما تفككت قبل انقضاء أسابيع ستة على قيام ثورة 14 تموز (حديث ذلك في ورقة أخرى عنوانها: عبد الناصر والعراق ... بين نصف عاقل ونصف مجنون ... ثم البعث).

 

وحتى قبل وصول الأخبار السارة من بغداد بدءا من خريف 58 سارع آل سعود إلى انتداب ثاني كبرائهم فيصل رسولا لعبد الناصر معتذرا عن زلة كبيرهم سعود ومتبرئا من مسؤوليتها بل وواعدا بتحجيم دور سعود في صنع القرار. تم ذلك بالفعل عبر تشكيل فيصل ولي العهد للوزارة حينها.

 

كان ما حول اتجاه التدهور في علاقة عبد الناصر بآل سعود إلى اتجاه تصالح هو الانفراج الذي طرأ على علاقة عبد الناصر بواشنطن منذ مطلع 59.

 

والثابت أن الخشية المشتركة من النفوذ الشيوعي المتعاظم في العراق كانت القابلة القانونية لهذا الصلح الذي سرعان ما تجسد في قانون المعونة الغذائية الأمريكية لمصر وفي استقبال البعثات الجامعية المصرية التي حولت من موسكو لواشنطن حينها.

 

ومن تجليات هذا الصلح التكتيكي العابر كانت زيارة سعود – ذاته – للقاهرة في سبتمبر 59 – والتي استقل فيها إلى جانب عبد الناصر سيارة مكشوفة مخرت عباب شوارع القاهرة – كلفتة دالة على أن عفو عبد الناصر عن المستغفِر سعود قد صدر. ما جرى كان في الواقع هدنة المتحاربين لا أكثر ولا أقل.

 

لنلحظ أن الصلح السعودي – الناصري لم يرافقه صلح هاشمي إلا متأخرا بعام ونصف أي في مارس 61 ولم يرافقه صلح بورقيبي إلا في تموز 61 مع واقعة بنزرت.

 

ثم إن عام 60 كان عام اضطراب داخل البيت المالك السعودي إذ أن سعود مؤيدا بشباب الأمراء "الإصلاحيين" وعلى رأسهم طلال استعاد بزخم صلاحياته التي قيدت بتولي فيصل رئاسة الوزراء عبر إقالة وزارة الأخير وتشكيله الوزارة بنفسه معينا طلال وزيرا للمالية.

 

فعل سعود ذلك بعد أن استقوى بصلحه مع عبد الناصر ومبيتا النية في ذات الوقت على فعل المستحيل بعد استتباب الأمر له في الرياض على الانتقام لشرفه المهدور من شرفة قصر الضيافة بدمشق.

 

هنا ومع دخول عام 61 كانت رغبة سعود بضرب عبد الناصر في مقتل دمشقي متوافقة مع تحرق هاشمي على الخلاص من الكابوس الناصري في دمشق. لكن الأهم كان أن وكالة المخابرات المركزية كانت قد وصلت لقناعة قاطعة مؤداها أن وقت تحجيم عبد الناصر قد أزف فلا مساحة تأثيره العربي ولا نفوذه الأفروآسيوي ولا تمدده الأمريكي اللاتيني غدا من النوع الذي يمكن التأقلم معه، ولا استمرار الوحدة بين شمال وجنوب إسرائيل يمكن تحمله وهو المعبأ بخطر تهديدها ذات يوم. ساعد الوكالة على عقد العزم على التحرك معرفتها أن موسكو ستكون _ لأسبابها – مرحبة بتفكيك الوحدة وعلى الأقل غير مبالية.

 

رتب المايسترو الأمريكي أدوار عازفيه بأن أوكل لسعود الرياض تمويل مؤامرة انقلاب سوري يهدف لفصم عرى الوحدة بميزانية تصل لـ 12 مليون دولار وأوكل لحسين عمان مهمة تجنيد ضباط سوريين وإعدادهم للانقلاب.

 

بدأت مراحل الخطة بتنييم عبد الناصر عن الاشتباه بتآمر هاشمي عبر توجيه حسين رسالة له في رمضان/آذار 61 يطلب فيها منه الصفح والغفران عما سبق وبدر منه من عداوة وخصام ومعلنا حميم إعجابه به لدرجة الموالاة.

 

إنطلت الخديعة على عبد الناصر في قليل أو كثير خصوصا وأن تهديد عبد الكريم قاسم – خصم الجميع – باحتلال الكويت في يونيو 61 وفّر سببا لبعض من تنسيق جمع سعود وحسين من جهة وعبد الناصر من جهة أخرى تجسد في إرسال قوات مشتركة للكويت حماية لها من تهديد قاسم وبديلا عن القوات البريطانية المحتلة – في إطار الجامعة العربية وبقيادة مصرية –.

 

نجح الجهد المخابراتي المشترك في تجنيد العميد فيصل سري الحسيني والمقدم حيدر الكزبري ومعهما خلوصي الكزبري وأكرم سري الحسيني وفي الطليعة منهم مأمون الكزبري. كانوا جميعا النواة الصلبة التي تجمع حولها لفيف من الضباط الدمشقيين لم يتجاوزوا السبعة وثلاثين والذين استطاعوا تغيير المشهد الجيوستراتيجي للمنطقة منذ ذلك التاريخ.

 

والأكيد أن يوم 28 أيلول 1961 كان يوما مشهودا لواشنطن ولندن والرياض وعمان وأنقرة وتيبة (الأخيرتان كانتا أول من اعترف بالانفصال السوري!).

 

لم يكن فاصلا، إذ بقي زخم حركة القومية العربية آخذا في التصاعد حتى عام 1965، لكنه كان فارقا لجهة تحديد بوصلة القادم من أحشاء الزمان.

 

ورغم أن عهد الانفصال السوري القصير الأمد لم يكفل لآل سعود انتصارا مستداما – دعك عن شاملا – في إقليم الشام إلا أن مجرد كف يد عبد الناصر عن سوريا كان مكسبا مهولا لهم خصوصا وأن تجليات لها علاقة بالداخل المصري جرت بتأثير الحدث السوري منها رشوة الملحق العسكري المصري بلبنان المقدم زغلول عبد الرحمن للفرار إلى سوريا وشن حملة شعواء على عبد الناصر ونظامه وهو من هو في تنظيم الضباط الأحرار الذي فجر ثورة يوليو.

 

والثابت أن رعاية آل سعود وآل هاشم – مجتمعين – لفاري الأخوان المسلمين من مصر كانت قد وصلت مع فترة الانفصال إلى ذرى شاهقة تولت فيها كوادر الأخوان مهاما سياسية وإعلامية وتعليمية وثقافية في خدمة الأسرتين وبالأخص في مجال حرب الدعاية ضد حركة القومية العربية وبالذات ضد رمزها جمال عبد الناصر.

 

ارتضى الأخوان المسلمون لأنفسهم أن يصطفوا في خندق "الآلين" مع علمهم – الذي لا يحتاج لوافر دليل – إن ذلك هو – قولا واحدا – اصطفاف تحت لواء المعلم الأكبر في واشنطن.

 

والحاصل أن هذا المعلم وبعد اطمئنانه على رد الخطر الناصري عن دمشق التفت للفتك بالازعاج القاسمي في بغداد.

 

ما كان مشَّجعا بريطانيا ما بين يوليو 58 – يونيو 61 وما كان محتملا – وعلى مضض – أمريكيا طيلة تلك الفترة أضحى في مرمى الهدف لكليهما عند نقطة ما في عام 61 تلاقى عليها تهديد احتلال الكويت مع صدور قانون 80 المجرد لشركات النفط الغربية من أي أراض خارج نطاقها القائم.

 

كلف فرانك كارلوتشي – منسق نشاطات المخابرات المركزية بالشرق الأوسط حينها - والذي سبق وأن أشرف منذ شهور خلت وأثناء انتدابه لمحطة ليوبولدفيل على تصفية باتريس لومومبا – بتصفية عبد الكريم قاسم.

 

كانت أولى خطواته وبالتنسيق مع بهلوي طهران هي أمر مصطفى البرازاني للتحرك العسكري ضد بغداد في سبتمبر 61.

 

ما يهمنا في الأمر لجهة آل سعود هو أنهم مع آل الصباح وآل هاشم كانوا في نطاق الترتيب لما هو قادم والذي كان محوره حزب البعث العراقي.

 

ولعل اختيار التحالف مع هذا الحزب بالذات كان يخدم غرضين متداخلين: الخلاص من قاسم ومن الحزب الشيوعي العراقي وحرمان عبد الناصر من التمدد إلى بغداد وهو الذي على جفاء مضطرد مع البعث كله منذ استقالة وزرائه من حكم الوحدة في ديسمبر 62 وبالأخص منذ الانفصال السوري.

 

في انتظار الخلاص من قاسم العراق تلقى آل سعود وآل هاشم ضربة موجعة في لبنان عشية اليوم الأول من عام 62.

 

للمرة الثالثة من تاريخه يتحرك الحزب القومي السوري وفق أجندة غربية تقاطعت مع مطامحه – أو بدت -. كانت الأولى في اغتيال المالكي بهدف إزاحة أهم خصوم حلف بغداد السوريين. أما الثانية فكانت في اصطفافه بخندق كميل شمعون والكتائب أثناء حرب 58 الأهلية وها هي الثالثة استكمالا للانفصال السوري ومحاولة لقلب نظام ودود نحو عبد الناصر هو نظام فؤاد شهاب. يعترف عبد الله سعادة رئيس الحزب في مذكراته "أوراق قومية" أنه نسق في تخطيطه للانقلاب مع السفارة الأمريكية ببيروت ثم أنه ليس خافيا مدى الانخراط الهاشمي في ترتيبات الانقلاب عبر ضابط الاتصال علي غندور.

 

لكن اللطمة الكبرى التي تلقاها آل سعود عام 62 كانت ثورة اليمن الجمهورية في سبتمبر من ذلك العام. ورغم أن تفصيل مسألة حرب اليمن تم في ورقة أخرى مستقلة إلا أن المناخ الذي ولدته الثورة مهد السبيل أمام انحسار النفوذين السعودي والهاشمي في المشرق العربي حتى أنه ما إن دلف عام 63 حتى كانت سورية ثمرة ناضجة للسقوط من شجرة اليمين الحليف.

 

ثم زاد الطين بلة أن كلا من نظامي دمشق وبغداد الجديدين وجد نفسه مضطرا أمام ضغط شارعيه – وبالأخص السوري – لخطب ود عبد الناصر بدعوى طلب وحدة ثلاثية معه.

 

ورغم أن آل سعود لم يكونوا في حاجة لتبين ضعف مصداقية البعث "السوراقي" في السعي الجاد لوحدة مع عبد الناصر إلا أن مجرد الكلام عن هكذا وحدة تضم الدول الرئيسية الثلاث خصوصا إذا تمكن الناصريون في أي من العراق أو سوريا أو – وهي الطامة الكبرى – في كليهما سيحول المناورة إلى حقيقة مفزعة كفيلة مع الوقت بتقصير عمر البيت المالك وفي عقره.

 

لم يتنفس آل سعود الصعداء إلا في 22 يوليو 63 عندما أعلن عبد الناصر خروجه من اتفاق الوحدة الثلاثية هاربا من مطرقة البعث السوري وسندان البعث العراقي.

 

ولشهور قلائل - ورغم أنه أهون الشرين - إلا أن شبح البعث "السوراقي" ارتسم على أفق الشمال العربي مؤرقا آل سعود ولو بدون كوابيس عبد الناصر!

 

ولو قفزنا لوهلة من عام 63 إلى عام 78-79 لوجدنا أن ذات الرهاب أصاب آل سعود بارتعاد مفاصل واصطكاك أسنان حينها. هذه المرة لم يكتفوا بالتعاويذ والأدعية. بل شمروا عن ساعدهم – وبالتنسيق مع حليفهم حسين الأردن – ليذروا قرن الخلاف بين البعثيين السوري والعراقي وهما في ذروة محاولتهما – التي بدت جادة – للوحدة بين القطرين وبين جناحي الحزب المتخاصمين.

 

لم يكن بذارهم منثورا في أرض جرداء على كل حال إذ أن النفور الشديد بين أسد وصدام وخشية الأخير من استفراد الأول بأحمد حسن البكر – رئيس الوحدة المفترض – كنائب وشريك له كفل استعداد صدام لإجهاض المحاولة.

 

المهم في الأمر أن "الآلين" وفرا المادة اللازمة للوقيعة عبر توصيل معلومات مبالغ بها لصدام عن تنسيق أسد مع بعض شركائه الحزبيين للخلاص منه. حينها قام باستباق ما ظنه قادم فارطا عقد التفاوض ومنحيا البكر إلى المنزل ...

 

عودة إلى السـياق ... اختلطت الأوراق في نوفمبر 63 عندما جنح العراق إلى معسكر عبد الناصر مع إسقاط حكم البعث فيه على يد عبد السلام عارف وضباط ناصريين.

 

انقبض آل سعود أكثر من ذي قبل لكن العين بصيرة واليد قصيرة فهم غاطون من الرأس وحتى أخمص القدم في حرب اليمن خصوصا بعد أن سرعان ما اتخذت بعدا أمريكيا – بريطانيا – إسرائيليا.

 

ومنذ انفصال 61 وحرب الدعاية السعودية – الهاشمية ضد عبد الناصر – سواء مباشرة أو عبر صحافتهما العميلة في بيروت أضراب "النهار" و "الحياة" و "النهضة" (نديم أبو إسماعيل) و "الزمان" (روبير أبيلا) – تتصاعد وفق سياق محموم اشترك فيه بحماس مفهوم إعلاميوا الانفصال السوري أشكال نهاد الغادري بل وبعض سياسييه وعلى رأسهم أكرم الحوراني.

 

ولعل عودة فيصل لرئاسة الوزراء خريف 62 ليواجه تبعات حرب اليمن والتهديد الناصري لحكم الأسرة شكل المهماز الأساسي لتبني موقف التشدد من عبد الناصر بكل السبل: الإعلامي والمخابراتي والسياسي منها.

 

بعد أن تكرس فيصل ملكا في نوفمبر 64 حاسما الصراع مع سعود بدأ يخطط بالتنسيق مع واشنطن لإنشاء الحلف الإسلامي معيدا كرة ما جرى عام 57 مع سلفه سعود والذي باء حينها بالفشل.

 

انتظر فيصل إلى ما بعد مؤتمر القمة الثالث في سبتمبر 65 بالدار البيضاء ليعلن بتدرج وحذر عن مشروعه. وسرعان ما تلقى التأييد من محمد بهلوي في طهران والحبيب بورقيبة في تونس - وهما من أشد النافرين من الإسلام - ثم من حسين الأردن - وهو البارع في إخفاء ذات الميول – وأخيرا وليس آخرا من حزب الأمة السوداني. الرضا الصامت والخائف في آن كان من نصيب سنوسي ليبيا وصباح الكويت وحسن المغرب.

 

طيلة فترة الحلف الإسلامي 65-67 كان آل سعود يرقبون ما يجري في دمشق مرتاحين لصراعات البعث الداخلية الكفيلة بإبعاد صداعهم عنهم وعن حلفائهم.

 

ما كانوا يهتمون به بالقطع كان لي ذراع عبد الناصر الفلسطينية عبر تعويق رعايته لإنشاء منظمة التحرير كيانا سياسيا جامعا للشعب الفلسطيني ومؤطرا لحركته السياسية.

 

والثابت أنهم تلمسوا سبيل ذلك عبر الانفتاح التدريجي على حركة فتح وصولا إلى تبنيها حليفا تكتيكيا بعد هزيمة 67.

 

ما كان هذا التواصل سلسا في البداية إذ نظر فيصل لمجموعات الشباب المنضوية تحت لواء فتح كمغامرين هواة خصوصا مع اشتداد وثيق علاقتهم بالبعث السوري لدرجة أن أضحت سورية منذ 64 قاعدتهم الرئيسية.

 

في مرحلة المخاض هذه قام ياسر عرفات المسؤول العسكري لفتح بتفجير عبوات ناسفة في خط التابلاين السعودي في الجولان السوري. ابتغى الابتزاز ولفت النظر فنال مناه.

 

ساهم في تليين ارتياب فيصل الأولي وساطة شيوخ الأخوان المصريين والسوريين اللاجئين لديه إذ حثوه على مد أسلاك التوصيل مع فتح لأنها تزخر بشباب من أصول إخوانية - وبغض النظر عن خروجهم عن عباءة الأخوان - ثم أنهم من صنف غير ودود نحو عبد الناصر إن لم يكن نافرا بالمطلق.

 

واللافت أن التمويل السعودي الذي بدأ في تلك الآونة تراكب مع دعم البعث السوري اللوجستي والسياسي رغم اتساع الأخدود الفاصل بين آل سعود وقبيلة البعث. كان القاسم المشترك الأدنى هو العداء لجمال عبد الناصر.

 

نظر فيصل إلى عمليات فتح التي بدأت مطلع 65 على أنها واحدة من أهم سبل إحراج عبد الناصر وإظهاره نمرا من ورق مختبئا وراء البوليس الدولي المرابط على حدود سيناء وغزة مع إسرائيل.

 

لم يكن التشهير جديدا على آلة الدعاية السعودية – الأردنية فهي مارسته بزخم طيلة عام ونصف من عمر الانفصال السوري لاعبة على أوتار خليج العقبة والبوليس الدولي بتمني أن يجرّ عبد الناصر إلى مواجهة غير محسوبة مع إسرائيل تذهب بجيشه ومن ثم به إلى الهاوية.

 

والأكيد أن واحدة من أهم محطات التحالف الملكي ضد عبد الناصر كانت صلح الطائف بين آل سعود وآل هاشم في أغسطس 62 والذي سرعان ما خضع لاختبار النار بعدها بشهرين عندما خاضت الأسرتان حرب المرتزقة في اليمن ضد القوات المصرية هناك.

 

والواضح أن نجاحات آل سعود في إقليم الشام ما قبل هزيمة 67 كانت محصورة في تحالفهم مع آل هاشم في الأردن وفي حبورهم بفخ فتح المنصوب لعبد الناصر.

 

ولئن كان لهزيمة 67 من أثر محقق فهو في رفع شأن آل سعود بشكل غير مباشر لأن جيش خصمهم اللدود خذله وخذل معه شعبه وأمته في هزيمة قاصمة وغير مبررة الحجم والفداحة.

 

لم يكن أحد يعرف حينها أن فيصل ضغط طيلة العامين السابقين للهزيمة ما وسعه الجهد والطاقة لتأذن واشنطن لإسرائيل بشن الحرب على مصر بهدف واحد يتيم: إسقاط نظام جمال عبد الناصر.

 

لقد كان من تداعيات الهزيمة فوز حلف اليمين المسيحي في لبنان بالانتخابات النيابية التي جرت ربيع 68 – شمعون والجميل وإدة – مما عنى انحسار النفوذ الناصري فيه ولو بعض الشيء.

 

والحري بالذكر أن آل سعود في تنويعهم لمصادر الدعم في لبنان لم يقتصروا على الحلفاء "الموضوعيين" لجهة التبعية لنفس صاحب الوحي أي اليمين المسيحي بل سعوا باستمرار إلى محاولة خلق جيب سني حليف رغم عسرة ذلك بواقع الانجذاب السني الكامل لعبد الناصر.

 

كان أثمن صيد وقع في بشاكهم في مرحلة الستينات وما تلاها هو صائب سلام. إتخذ الرجل له موقعا في خندق الناصرية في أعقاب حرب السويس ولم يبرحه إلا متهيبا في حدود عام 63 بسبب تفضيل عبد الناصر لخصمه الطرابلسي الشاب رشيد كرامي سند فؤاد شهاب الأوثق وهو – أي شهاب – من هو منزلة لدى عبد الناصر.

 

كان شهاب فاقد الود لسلام فضرب عليه حرم الاقتراب من رئاسة الحكومة بعد أن دفعه للاستقالة نهاية 1961.

 

صاحب ذلك اصطدام سلام بالسفير المصري عبد الحميد غالب والذي اشتم فيه شيئا من تلون الجلد وتبدل الولاء بعد الانفصال السوري.

 

مع استقواء جناح فيصل من آل سعود بدأ سلام يرمي بمجاديفه في اتجاه أشرعتهم وكان عربون الوفاق الإمداد السعودي الباذل لجمعية المقاصد الخيرية عرين سلام البيروتي.

 

وفعلا ما إن وقعت هزيمة 67 حتى وجدنا سلام يشكل مع كامل الأسعد السياسي الشيعي المناوئ لعبد الناصر والمحسوب على آل سعود ومع سليمان فرنجية تكتل الوسط الذي يتفق مع الحلف الثلاثي في معاداة الشهابية ومن ثم الناصرية.

 

حققت شراكة الطرفين وزنا نيابيا مؤثرا قارب نصف مقاعد البرلمان ربيع 68 مما وفر المناخ والأداة لضربة لاحقة تحول التوازن إلى تفوق منتصر.

 

وضع آل سعود أموالهم في خدمة شراء طواقم متسعة من السياسيين والصحفيين كفلت لهم رقعة مضطردة التعاظم على المشهد اللبناني ساعدت في إسقاط مرشح الشهابية الياس سركيس في انتخابات الرئاسة 1970 بفارق صوت واحد وتواصلت في التمدد والتأثير لما تلا تلك اللحظة الفارقة وعبر ثلث قرن.

 

أيضا في الملف الفلسطيني هو فضلوا مسايرة فتح المتنامية الحجم والنفوذ والمتنوعة المشارب والولاءات كأمر واقع لا محيد عن التعامل معه بإيجابية وبانتظار غودو.

 

أتى غودو في أيلول 70 عندما ضرب حليفهم الهاشمي ضربته الكبرى ملحقا هزيمة كبيرة بالمقاومة الفلسطينية تبدت مفاعيلها بجلاء مع غياب عبد الناصر عن المسرح.

 

إختبأ آل سعود وراء حسين الأردن في نفورهم المتعاظم من المقاومة الفلسطينية والتي فقدت قيمتها لديهم بعد أن وقع عبد الناصر في فخ 67 ... وهي من اضطروا لمسايرته بعد 67 لصعودها الأخاذ المالئ لحيّز لا يستهان به من فراغ ولدته الهزيمة.

 

هذه المقاومة تحولت بعد "كرامة" آذار 68 إلى جسم عرطلي اجتذب كل من يرفض الأمر الواقع وبالأخص فصائل اليسار على تنوعها وتكاثرها المضطرد.

 

مع هذا التضخم في الكم والنوع غدت المقاومة تهديدا من نوع ما لهاشميي الأردن يكفل نجاحه – إن حدث في سياق صراع بينهما – تحول الجار الشمالي من حليف لدود إلى عدو كامن.

 

من هنا فلقد دعم آل سعود آل هاشم قولا وفعلا في مواجهتهم الحاسمة مع المقاومة ذلك الأيلول وإن تستروا بكثير من الصمت الناطق فعل تقية.

 

وبعد أيلول واصل آل سعود سياسة الدعم المكتوم لعمان حتى حسمت الأخيرة الأمر في تموز 71 في عجلون.

 

لم يتفرق الدرب لبرهة بين "الآلين" إلا في صيف 90 غداة الدخول العراقي للكويت.

 

والراجح أن استشفاف الأمر يشي باختلاف في السبل وليس في الأهداف طبع خلاف 90 وعكسما كان الحال قبلها بعقد عندما دبرا معا مسار إقناع صدام بغزو إيران والذي طال من نوفمبر 79 إلى أيلول 80 عندما وأخيرا وقع في الفخ.

 

كلا "الآلين" كانا يعزفان على وتر عدم السماح بنشوء - أو بقاء – قوة عراقية غلابة أو تقارب عراقي – سوري وثيق ومستدام.

 

فضل آل سعود مزيدا من الانتظار في سوريا بتوقع أن الهزيمة لا بد كفيلة بإحداث شروخ داخل نظام النيو – بعث تكفل صعود جناح واقعي يمكن التعامل معه على طريق استعادة سوريا بالمطلق.

 

وفعلا تمخض عن هزيمة أيلول الأسود تشقق النيو – بعث في سوريا إلى واقعية عسكرية الكادر وراديكالية مدنية الإطارات.

 

كان من نتائج انتصار العسكر الواقعي تحسن العلاقات السورية مع آل سعود بشكل متدرج ولكن أكيد وصل للحظة فارقة في أكتوبر 73 مع شن مصر وسوريا للحرب على الاحتلال الإسرائيلي حينها.

 

مذ ذاك وحافظ أسد قد نسج علاقة أقل ما يقال في وصفها أنها علاقة توافق شبه استراتيجي تختلط فيه المنفعة بالرؤى والمقاصد بالمصالح إلى حد - بعض مرئي - من التداخل والوثوق بل والاندخال.

 

واجه أسد قبيل حرب أكتوبر اضطرابات واسعة النطاق بسبب الدستور الذي أعد للاستفتاء والذي غابت عنه فقرة أن الإسلام دين الدولة. اعتقل حينها جمع من قيادات الأخوان السوريين لبثوا في السجون إلى أن خرجوا مع وصول فيصل إلى دمشق في يناير 75 مدشنا شراكة تجسدت في ضخ أموال البترودولار للسوق السورية لبناء شبكات من الحلفاء والأنصار من داخل بنية النظام وحتى خارجها ومفتتحة عهدا من الفساد والإفساد لم تخرج منه سوريا لعقود ثلاثة تلت.

 

ورغم أن فيصل اغتيل بعد شهرين فقط من زيارته أسد في دمشق إلا أن "السديريين" واظبوا على نفس منحى التعامل مع أسد لسنوات أربع ثم بدلوا من هذا المنحى – دون كثير صخب - خلال عام 79-80 عندما أيدوا سرا تحرك جماعة الأخوان المسلمين السورية المسلح ضد نظام أسد.

 

ربما تلك الفترة كانت اليتيمة التي شهدت مصطفى طلاس المعبر الأمين والفاقع الصراحة عن أفكار أسد – ينعت بالاسم فهداً بصفات الخائن والعميل وما إلى هنالك.

 

وإذا قُورن ذلك الافتراق بتبني آل سعود عام 76 للدخول العسكري السوري للبنان ليقوم بضبط المقاومة الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين من أهل اليسار لوجدنا عمق الأخدود الذي انتصب مع مفصل السبعينات والثمانينات.

 

حينها – أي عام 76 - صادق آل سعود على وساطة حسين الأردن بين واشنطن ودمشق في الربيع لتمكين الأخيرة من إرسال قواتها إلى لبنان تحت عنوان وقف الحرب الأهلية التي بلغت العام من عمرها.

 

كان أسد يهدف إلى تأمين لبنان حديقة خلفية لنظامه يدرأ منها وبها إمكانية تحولها إلى منصة عداء له مبتغيا إضعاف كل القوى الفاعلة فيه فلسطينية كانت أم لبنانية لتقبل به مرجعية ناظمة لأمهات المسائل بل وصغيراتها. هذا عنى ألا تكون هناك قوة ذات استقلالية خارجة عن الفلك في الحرب كانت أم في السلام.

 

والبادي أن أسد كان يريد تجميع الأوراق وليس تبديدها ومن هنا فهو توقع أن تنصاع المقاومة الفلسطينية حفاظا على الذات ولتوقي خسرانه وهو الحليف ... وإن كان فاتر المودة.

 

بل وتوقع أن يكون اليسار اللبناني عاقلا ونائيا بنفسه عن مغبة الارتطام به وهو القوة الأقوى في الإقليم.

 

بالمقابل ناور أسد بحركة متسعة المروحة مزينا لواشنطن وحلفائها منافع دخوله اللبناني وفوائد شراكة أمريكية – سورية تشابه في فحواها – وإن تجاوزت في سبلها – الشراكة الناصرية – الأمريكية بين 1958-1970.

 

بلغ الوصال السعودي – السوري ذروته في أكتوبر 76 عندما استضاف فهد ولي العهد قمة محدودة هدفها تكريس سوريا وصيا على لبنان بمشاركة خليجية وبرضا مصري.

 

ذاك العام 76 كانت المقادير تتجاذب ساحة الشام يمنة ويسرى. هنا أنور السادات والبكر – صدام - وهما على طرفي نقيض - داعمين للمقاومة الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في صراعهم مع أسد بينما كان "الآلين" سندا للأخير في تلك المواجهة.

 

قمة الرياض تلك أوقفت الصراع العنفي ووفقت بين أسد وفهد والسادات لعام ونيف انتهى بزيارة الأخير للقدس وتفرق السبل بحليفي أكتوبر.

 

ولو رجعنا بالبصر إلى منتصف السبعينات لرأينا كيف أن آل سعود تبنوا حزب الكتائب المسيحي اليميني في حربه المشنة على المقاومة الفلسطينية منذ أبريل 75 وهادفين إلى تقليم أظافر المقاومة في حصنها اللبناني تمهيدا للإتيان بها مضعفة منهكة إلى طاولة التفاوض على حصة متواضعة من الأرض الفلسطينية خصوصا بعدما اختطت مصر طريق التسوية المنفردة خطوة خطوة غداة حرب أكتوبر وفقدت بذلك المقاومة حليفها الرئيسي في الحرب والسلام.

 

في خضم الخصومة السعودية – السورية ذلك الحين جرت محاولة اغتيال السفير السعودي في لبنان علي الشاعر.

 

خلالها أيضا باع ياسر عرفات عبر أحد مرؤوسيه عطا الله عطا الله – أبو الزعيم – قائد معارضة المنفى الجزيرية ناصر السعيد بـ 5 مليون دولار لكمال أدهم مدير المخابرات السعودية خدمة لآل سعود في عام محنتهم الكبيرة 1979 الذي شهد عملية جهيمان العتيبي في الحرم المكي ومظاهرات القطيف الشيعية.

 

هذا الرجل عاش الستينات كلها إلى بداية السبعينات في كنف مصر عبد الناصـر ومنها قاد المعارضة الخارجية وساهم بتنظيمه – اتحاد شعب الجزيرة العربية - في عمليات التفجير التي حدثت في النصف الأول من 67 بالتنسيق مع المخابرات المصرية.

 

ثم بعد ما استخلف السادات رئيسا فر ناصر السعيد بجلده إلى بيروت لعدم ثقته به وشكه في أنه حليف سري لآل سعود وعاش في بيروت تحت حماية المقاومة الفلسطينية إلى أن باعه عرفات ليعدم في الرياض كالعدو رقم واحد لآل سعود.

 

لماذا قرر السديريون وعلى رأسهم فهد إسناد تحرك الأخوان المسلمين السوريين ضد نظام أسد وبالتنسيق مع حسين الأردن؟

 

أسباب ذلك عدة منها: الدعم القوي الذي ناله الخميني قبيل ثورته وبعد استلامه الحكم من أسد دمشق والعلاقة الوثيقة التي ربطت النظامين منذ نجاح الثورة .. ومنها رفض أسد القاطع لصلح كامب ديفيد المصري .. ومنها هيمنته الغلابة على لبنان والذي يريدونه وطنا قوميا ثانيا لآل سعود ومن لف لفهم .. للمسرات طالما هم في الحكم وللجوء أن اقتلعوا منه.

 

مرّ عامان على التأييد السعودي – الأردني للإخوان المسلمين قبل أن يطحنهم أسد في حرب دموية طويلة وصلت ذروتها في موقعة حماة المأساوية.

 

هدأت الخصومة بعض الشيء أثناء وبعيد اجتياح لبنان الإسرائيلي لتعود ضارية – وإن مكتومة – مع الصدام السوري – الأمريكي في لبنان طيلة عام 83 بدءا بتدمير السفارة الأمريكية ببيروت في أبريل – ومقتل 11 من خيرة كوادر المخابرات المركزية وعلى رأسهم روبرت إيمز مدير قسم الشرق الأوسط فيها – مرورا بحرب الجبل في سبتمبر ووصولا إلى تدمير معسكر المارينز بمطار بيروت ومقتل 241 من عناصرهم فيه في أكتوبر.

 

ذات يوم من أيلول 83 جاء دمشق بندر بن سلطان السفير المعين حديثا في واشنطن والمقرب منها بلا حدود وسيطا بين العاصمتين.

 

والشاهد أن تلك الوساطة كانت تحتاج إلى أفعال السحر لتنجح سيما وأن دمشق أعلنت حال توقيع اتفاق 17 أيار المرعي أمريكيا (وعرابه وزير الخارجية حينها جورج شولتز) بين لبنان وإسرائيل أنها ستقاومه وتسقطه.

 

هي فعلا قررت ونفذت إذ حشدت كل القوى المعارضة في لبنان ضد نظام أمين الجميل الأمريكي الولاء وأطلقت ضد جيشه وحليفته الميليشيا المسيحية ميليشيات الشيعة والدروز والمعارضة الفلسطينية فألحقت بهما هزائم منكرة وصلت ذروتها في شباط 84.

 

صلّب من عود دمشق في مواجهتها مع واشنطن وأتباعها المحليين الدعم اللامحدود الذي أمنه يوري أندروبوف حاكم موسكو الجديد – نوفمبر 82/مارس 84 – لأسد بعد هزيمة قوات الأخير في لبنان على يد الجيش الإسرائيلي في يونيو 82. المهم أن بندر الوسيط اصطحب معه رجلا يرتدي العقال والدشداشة دعي بالشيخ رفيق الحريري ووصف بمساعد له.

 

ما كان هذا "الشيخ" إلا لبنانيا من صيدا عاش شبابه في صفوف حركة القوميين العرب حيث عهدت إليه سواقة سيارة أمينها جورج حبش إن تواجد في لبنان. هاجر للجزيرة طلبا للرزق – وهو المتحدر من أسرة محدودة الدخل - عام 65 – وهو لم يتم بعد دراسته في جامعة بيروت العربية - حيث اشتغل كمعلم ثم كمحاسب في شركة للثري الفلسطيني زين مياسي.

 

والبادي أن شيئا جوهريا بامتياز حدث لرفيق الحريري في أواخر السبعينات – وبعد انفصاله بشركة له عام 77 - كفلت له صعودا صاروخيا من رجل أعمال يحبو على الأرض إلى ملياردير يجوب الآفاق وفي فترة قياسية.

 

والشائع أن فهدا شاهد رفيق الحريري في إحدى المجالس فلفت نظره شدة الشبه بينهما مما وفر كيمياء جاهزة للتقريب والاستلطاف والاختبار والعطف والرعاية ثم التبني والاعتماد.

 

عام 80 اختص فهد الحريري بعطاء بناء قصر الطائف للمؤتمرات ليكون مقر مؤتمر القمة الإسلامية المنعقد في يناير 81. لم يخيب رفيق ظن فهد إذ أنجزه في فترة قياسية.

 

من تلك النقطة أوكل فهد للحريري مهمة الاستعداد للعب دور الممثل الشرعي لآل سعود في لبنان وبدأ تدريبه بالممارسة حالما خرج الاحتلال الإسرائيلي من بيروت العاصمة في سبتمبر 82 عندما كلف بتنظيف العاصمة مجانا وما سبق ذلك من تأسيس مؤسسة الحريري للتعليم ومجمع كفر فالوس الخدمي القريب من صيدا.

 

ما هي القصة؟ يجدر هنا أن نتتبع – خط سير تعامل آل سعود مع الحرب الأهلية اللبنانية والتي استطالت 15 عاما متواصلة عبر أطوار متنوعة ومتعاقبة.

 

هم في البداية ساندوا الكتائب ونسقوا مع إسناد حسين لنمور شمعون ثم غضوا الطرف عن تعامل الاثنين مع إسرائيل تسليحا وتدريبا.

 

لم تتوقف هذه المساندة - وإن تفاوتت في الدرجة – طيلة مدة الحرب الأهلية لكنها اقترنت في أوقات معينة مع تمويل ميليشيا وليد جنبلاط الدرزية وتنظيم كمال شاتيلا السني وبطبيعة الحال امتداد الكتائب المنشق أي "القوات اللبنانية".

 

 

 

على المقلب السوري ...

 

منذ نهاية عام 83 اصطف آل سعود - وبالأخص ولي العهد عبد الله – وراء رفعت أسد في سعيه لخلافة أخيه المريض حافظ.

 

استعرت معركة الخلافة لشهور خمس بين رفعت – عديل عبد الله – وبين حافظ الذي برئ من مرضه بعد فترة نقاهة دامت أسابيع عدة.

 

كان رفعت قد بدأ يجمع أوراق القوة لحسابه فقط منذ موقعة حماة، وربما كان تيقن حافظ من ذلك هو ما قاده لطرد ياسر عرفات من دمشق في يونيو 83 بعدما اكتشف تنسيق الأخير مع الأول مراهنا عليه بديلا عن خصمه اللدود.

 

حسم حافظ المعركة في مارس 84 ثم أكمل الدائرة المطبقة على رفعت بطرده إلى موسكو في مايو.

 

سمح له بعدها بالعودة مصحوبا من فرنسوا ميتران الرئيس الفرنسي عند زيارته دمشق في نوفمبر 84 ثم أمر بمغادرتها في ربيع 85 ليعيش في باريس سنوات سبع قبل أن يعود ثانية في تموز 92 عند وفاة والدته وليخرج للمرة الأخيرة عام 97 قبل أن يقال من نيابة الرئاسة في فبراير 98 (وهو الذي عين فيها في مارس 84 كترفيع رمزي) ثم تصفى كل آثاره في أكتوبر 99.

 

مع هزيمة الأخوان عام 82 ثم رفعت عام 84 أدرك آل سعود أن التعايش مع حافظ أسد هو السبيل الوحيد المتاح خصوصا وأوراقه الإقليمية لا تسمح بتجاهلها وهو المتحالف مع إيران والقوي في لبنان والنافذ في المقاومة الفلسطينية والراعي للأكراد في العراق وفي تركيا.

 

لكن التعايش لا يعني وقف الصراع وبوتائر مختلفة وإنما خفض سقفه لكي لا يتحول إلى صدام مفتوح.

 

لم ينس فهد ما فعل به حافظ أسد في ديسمبر 81 عندما أراد الأول التقدم بمبادرة مرعية أمريكيا لحل الصراع العربي الإسرائيلي تضمن الاعتراف بقرار 242 وشرعية وجود إسرائيل وحل ما لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء حالة الحرب. حينها قاطع أسد المؤتمر فانهار عشية موعد انعقاده وتفرقت الدروب بالعشاق.

 

كانت هذه المبادرة بموافقة ياسر عرفات الهادف إلى تعزيز وقف إطلاق النار الذي عقده بالواسطة مع مناحيم بيغن في يوليو 81 واستباق ما يشتم من غزو إسرائيلي للجنوب اللبناني غداة الانسحاب من سيناء في أبريل 82.

 

لم يعق ما نع قرار واشنطن – تل أبيب بتصفية وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان. والراجح أن آل سعود كانوا في الجو تحت بند أن الغزو سيقتصر على كامل الجنوب اللبناني وسيضمن خروجا مشرفا للمقاومة تحت إشراف دولي.

 

ولعل تذكر القاعدة التقليدية الناظمة ومفادها أن آل سعود يفعلون ما تطلبه منهم واشنطن بلا اعتراض جاد، وإذا كان لتململ أن يحدث فهو ضمن هامش التمني والمونة .. لعل هذا التذكر يفيد في استكناه سلوك الأسرة خلال الشهور الثلاث لحصار بيروت.

 

لقد تركوا الأمر يأخذ مداه لأسابيع ثلاث ثم لما وجدوا أن مسألة حصار بيروت ستطول استبد بهم القلق وأحسوا أن ألكسندر هيج وزير الخارجية الأمريكية خدعهم عندما أقنعهم بأن خط نهر الأولى هو مدى الاجتياح الأقصى.

 

عندها اشتكوا بمرارة لريغان الذي استجاب بإزالة هيغ وهو الذي كان يحمل له غلا مكنونا بسبب هفوته الشهيرة يوم محاولة اغتيال ريغان في آذار السابق معلنا نفسه أنه الثاني في القيادة.

 

أرسلوا رجلهم المجرب صائب سلام مطلع تموز ليقنع عرفات بالخروج وعندما لم يقتنع بالشروط المذلة المطروحة حينها عادوا لترك الحبل على الغارب.

 

ثم ووفق إيماءة أمريكية استقبلوا بشير الجميل في جدة ليباركوه رئيسا مقبلا في نهاية تموز.

 

فقط عندما دكت بيروت دكا بالطيران يوم 12 آب تحرك فهد لأن شدة وكثافة القصف وفداحة الخسائر في المدنيين أقلقته لجهة تسببها في تحريك الرأي العام العربي ضد أنظمته الخائفة. عندها أكرمهم ريغان بالموافقة على وقف إطلاق النار خصوصا وأن الخروج الفلسطيني كان في مراحل الإعداد الأخيرة.

 

أمل آل سعود أن خروج المقاومة إلى المنافي البعيدة في اليمن والعراق والسودان وليبيا وتونس والجزائر سيكفل ارتخاء قبضتها على المشهد السياسي العربي العام وبالتالي تحللهم من قيود مشايعتها أو مسايرتها.

 

هم سعدوا بتولي بشير الجميل - سميهم في الارتباط بواشنطن - رئاسة لبنان مؤملين أن ذلك يوفر لهم جزئيا مربط خيل للسراء والضراء.

 

صدموا حينما عاجل حبيب الشرتوني بشير بالقتل التفجيري بغض النظر عمن هو الآمر: أصلاح خلف كان أم حافظ أسد.

 

هم استعادوا بعضا من أمل في خلافة أخيه أمين له. لكن قرار حافظ أسد في ربيع 83 بإسقاط 17 أيار كان لهم بالمرصاد.

 

وكما المعتاد نفذ آل سعود لواشنطن مهاما خاصة ما كانت تفضل الانخراط المباشر بإنجازها لئلا تحسب عليها بالمطلق لجهة التبعات: واحدة منها كانت محاولة اغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله في مارس 85 بالتنسيق مع سيمون قسيس مدير المخابرات العسكرية اللبنانية .. وأخرى كانت لعب دور التوسط لبيع صواريخ أمريكية مضادة للدبابات/تاو إيران مقابل إفراجها عن رهائن أمريكيين اختطفهم رجالها في لبنان.

 

مرت أعوام 85 و 86 و 87 دون كثير اشتباك بين أسد وآل سعود إلى أن حلّ موعد انعقاد قمة عمان في نوفمبر 87.

 

في هذا المؤتمر كان هناك رجلان منبوذان من غالبية القمة هما حافظ أسد وياسر عرفات وكل لأسبابه:

 

· الأول لتأييده إيران في حربها مع العراق فكان أن استقوت الغالبية بصدور قرار مجلس الأمن في تموز 87 الخاص بوقف الحرب العراقية – الإيرانية وما عناه من اقتراب نهايتها دون نصر إيراني معزِّز لدور الحليف سوريا الإقليمي.

 

· والثاني لأن الغالبية كانت تفضل نسيان فلسطين أو تناسيها كرمى لعيون واشنطن خصوصا وأن عرفات كان لا زال يعاند رافضا قبول قرار 242 قبولا غير مشروط.

 

لم يمر شهر على قمة عمان – والتي كانت قمة حلفاء واشنطن بامتياز – إلا ومادت أرض الضفة والقطاع بانتفاضة عارمة تصاحب معها انبثاق حركة حماس إلى الوجود.

 

لم تكن حماس إلا الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين والذي أمضى عشرين عاما ونيف من عمر الاحتلال الإسرائيلي وهو ناء بنفسه عن الانخراط في معمعة المقاومة تاركا ساحتها للعلمانيين من فتح وغيرها ومفضلا التركيز على بناء الخلايا واجتذاب الجمهور بطرائق مجتمعية وخدمية وتعليمية وخيرية.

 

احتمل الإخوان تعيير العلمانيين لهم طيلة العقدين المنصرمين غير آبهين بتهم التمكين الإسرائيلي المطلقة في وجوههم ومنكبين على عملهم التنظيمي بكفاءة والتزام. مع نهاية 87 كانوا قد وصلوا إلى قناعة أن الأوان قد آن للقفز إلى ساحة المقاومة وإلا ضاع كل ما بنوه سدى فالمزاج العام للجمهور محبذ للاشتباك مع المحتل ولو بالحجر ثم إن حركة الجهاد الإسلامي – وكوادرها القيادية من منشقي الأخوان الذين سئموا جمودها "الوطني" وانبهروا بالمثال الخميني – أضحت تشكل تحديا من جنسهم. لذا كله ولدت حماس.

 

ماذا كان رد فعل آل سـعود وربعهم من مشايخ الخليج؟ كان مـن الطبيعي - وتواصلا مع حلفهم المديد مع التنظيم الدولي للأخوان المسلمين - أن يحتضنوا حماس ففي ذلك منافع شتى منها تقليم أظافر منظمة التحرير – وعمودها الفقري فتح – وهي التي حققت عبر السنوات الطوال استقلالية ما عن الرسمية العربية أمنت لها هامشا من المناورة - رغم ضيقه - لم يلغه الخروج الكبير من بيروت .. ومنها تحييد الجيب اليساري الكبير في المنظمة سواء منه من في داخل فتح أم خارجها .. ومنها تعويد حماس على الدعم لدرجة الاتكال كما حصل مع سالفتها فتح .. ومنها مواءمة تيار كبير – وإن غير مهيمن – في الساحة الفلسطينية يؤمن قاعدة ارتكاز فيها مهمة.

 

وصل دعم حماس إلى ذرى شاهقة مع خروج ياسر عرفات القاطع على آل سعود في آب 90 وتقدمه بمشروع حل عربي شبيه بحل عبد الناصر في آب 61 يكفل انسحاب العراق وحلول قوات سلام عربية محل قواته فيها مع حل المشاكل العالقة بين البلدين والتي وفرت فتيل الصدام.

 

ما كان عرفات في هذا الموقف إلا متسقا مع نفسه ومع شعور جل شعبه في الداخل والمنافي.

 

نُبذ الرجل أيما نبذ وضرب عليه الحرم وطالب أهل الحل والعقد من ميامين الخليج بعزله وعقابه.

 

كانوا يعرفون أن أملهم هو ثامن المستحيلات لكنهم مضوا في سياسة العزل وزاوجوها بتعظيم الدعم لحماس.

 

وحتى عندما شنّ عرفات هجومه الأوسلوي في خريف 93 والذي فتح له أبواب واشنطن على مصاريعها، واصل آل سعود سياسة النأي عنه- وإن بوتيرة أخف- رغم دعمهم الكامل لكل اتفاق مع إسرائيل طالما كان بطلب واشنطن ورعايتها. وطيلة السنوات السبع العجاف من التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي اتخذ آل سعود موقف انتظر وراقب تاركين المسألة بعهدة السيد الكبير ومقاوله من الباطن نظام حسني مبارك.

 

في 11 تموز 2000 ظن كلينتون أن سنوات سبع من عصر الليمونة العرفاتية كفيلة بإيصال صاحبها للتسليم بالمطلوب لجهة الحل "الدائم" للقضية الفلسطينية.

 

فاجأ عرفات داعيه برفض الانصياع لتصوراته للحل وتشبثه بالقدس الشرقية (مع تنازله عن حائط المبكى والحي اليهودي) وبحق العودة وبحدود 67 (مع تبادلات حدودية طفيفة) وبإزالة الاستيطان (إلا ما يقع ضمن هذه التبادلات).

 

استعان كلينتون بآل سعود لإقناع عرفات ففعلوا وأصرّ ثم فاجأ الجميع برعايته لانتفاضة ثانية برز فيها دور السلاح وسببت ارتجاجات شارعية في عديد من العواصم العربية لم تهدئ من مفاعليها إلا صدمة 11 سبتمبر 2001.

 

بقراره إشعال انتفاضة مسلحة أحرج عرفات الرسمية العربية وعرى عجزها.

 

قابلته هي – وباغتنام صدمة 11 أيلول – بالنكران والإهمال والنأي تاركة إياه لمقاديره حتى ضرب عليه الحصار في 3 ديسمبر 2001 ومذ ذاك وحتى تسميمه القاتل في نوفمبر 2004.

 

إن تسببت صدمة 11 أيلول في شيء لآل سعود فهو في انتقالهم الرضّي من حالة شبه تبعية إلى طور شبه عبودية.

 

وفق وجه من وجوه هذه الحالة طلب منهم التقدم بمبادرة سلامية