الأستاذ محمد الخولى وجمال حماد وانيس منصور
آخر زمن بقلم محمد الخولى عن جمال حماد وانيس منصور واحمد منصور
العربى 15\2\2009
لو أنصف الزملاء من المحللين والكتاب الوطنيين لاختاروا سبلا أجدى وأكرم من إضاعة الوقت فى ملاحقة ما يصدر عن الثلاثى «العجيب»: أنيس منصور ـ أحمد منصور ـ جمال حماد بحق عبد الناصر وثورته، وعبدالناصر وسيرته وعبدالناصر ومكانته فى تارخ الأمة التى عاش ومات من أجلها.
وما كان لنا أن نبدد وقتنا فى التعرض لهذا الشأن لولا أن نقول كلمة ختام ننصرف بعدها إلى تناول قضايا هذه الأمة وهموما.. ولولا أنها كلمة حق كما نتصورها لن يحتاجها عبدالناصر وهو الى جوار مولاه.. ولكن يحتاجها سجل النضال العربى ومسيرته المعاصرة.. بقدر ما تقتضيه أمانة التصدى لما نراه باطلا.. يحتاج الى تقويم وعوار يحتاج الى تصحيح.
> أول الثلاثى المذكور أعلاه رجل استطالت حياته ـ أمد الله فى عمره ـ وأصدر كتبا وأشباه كتب يحصونها بالعشرات.. ونحسب أنه لم يستفد من مضمونها أحد، ولا هى أضافت شيئا مذكورا ـ ولو على شكل هامش أو حاشية الى حياة الناس أو استنارة المجتمع.
وما ظنك بكتب يشكو فيها صاحبها أوجاع المصران الغليظ.. أو العجز عن النعاس اللذيذ.. أو يعرض أمراض القادة وعلل الزعماء أو أحابيل المرأة وكيد النساء.. فما بالك بحكاية الذين هبطوا من السماء أو الذين يستحضرون أرواح الجن والموتى الراحلين من قاع السلال.
كتب الاستاذ أنيس كثيرا وترجم أكثر وأكثر وأمتع قارئيه وبالذات قارئاته بأسلوب من الثرثرة الرشيقة المسلية و.. بس خلاص.. لا الوطن استفاد ولا القارئ ازداد ثقافة ولا الثقافة ازدادت عمقا أو أصالة ولا قضايا الوطن وجدت من ينتصف لها.. وفى مقدمتها قضايا العدل والتقدم والنمو والحرية.
عبدالناصر نفسه تابع التقارير التى كانت ترفع إليه بشأن جلسات التفاف الأسر المصرية حول «السلة» لزوم تحضير الأرواح.. ربما استشاط الزعيم غضبا.. وهو الذى كان عاكفا على خطط التنمية العلمية والثقافية والتعليمية.. يحاول خلالها قيادة أمته نحو التنوير وتعقيل وترشيد حركة المجتمع، فيما تتردد من حولها مصطلحات العدل الاجتماعى والتحول التكنولوچى والنهضة العلمية وشتان بين هذا الاستنهاض لهمم الناس وروح الأمة وبين حكاية تحضير الأرواح وتغييب وعى الناس التى حاول العم أنيس أن ينشرها فى روبع الوطن.. لهذا كان قرار وقفه عن الكتابة.. ولم يكن السبب انه كان كاتبا وطنيا ولا معارضا صعب المراس ولا رائدا فكريا.. أيامها عرفته مخازن البن البرازيلى فى وسط القاهرة.. وبعدها كتب مسرحا للتليفزيون.. وقدم برامج إذاعية فى صوت العرب.. وسافر الى بقاع شتي.. وعندما توفى عبدالناصر رفعه الى مصاف أبطال الأساطير.. ولم يخض أنيس منصور معركة ولا كان له موقف من الصلابة أو الصراحة معروف أو مشهور.. ولم يكن مطلوبا منه ذلك فى كل حال..
لكن لم يكن مطلوبا منه كل هذه الإشادات الغريبة.. هل نقول المريبة.. بعبقرية الصهاينة وكل هذا الغرام المشبوب بزعاماتهم التى مازالت عاكفة على تكريس وتوسيع مشروع الاستيطان الاستعمارى فى فلسطين وهو مشروع يعرف الاستاذ منصور ـ بيقين ـ وهو قاريء نهم كما قد نتصور ـ انه يشكل خطرا من أفدح ما يكون على الأمن القومى لمصر.
وأنت تقرأ الأستاذ أنيس تشعر ان ثمة كاتبا لا يؤمن بشعبه.. ولا يحترم شيئا.. ولأنه عدمى الاتجاه فهو يكاد يدعو القارئ الى أن ينفض يده من كل شيء.. وأن ييأس من كل شيء.. فالعرب ـ أعزك الله ـ شعوب تجاوزت عند السيد أنيس منصور عمرها الافتراضى (أهرام 11/2) وكأنهم مدعوون الى تنفيذ نصيحة شوبنهاور ـ وهو من فلاسفة الألمان المفضلين عند الكاتب المذكور بأن يجتمع الناس فى ساعة ثم ينتحرون. وحسب الاستاذ أنيس أن يسدر فى التعريض بعبد الناصر.. وفى التمدح بأنور السادات وفى نفاق حسنى مبارك. وفى التمسح فى بلدياته بالمنصورة التى لم يقدم لها شيئا مذكورا.
>> لا يستحق ثانى الثلوث.. مذيع «الجزيرة» سوى كلمات مقتضبات.. الأخ أحمد منصور حر فيما يرى ويعتقد.. لكنه ليس حرا فى أن يلوى عنق الحقائق وأن يسدر فى الانحراف بمسار الأحداث الى حيث الافتراء على تجربة شعب بكامله ونضال أمة بأسرها على طريق تحرير الوطن وابتغاء العدل ومحاولة توحيد القوى ورص الصفوف أمام عدوها الإسرائيلى ـ النازى المشترك.
أصابت أمتنا وأخطأت فقد كانت تجتهد، والاجتهاد كسب انسانى فى كل حال.
لكن حسبك أن تتأمل وجه الأخ أحمد منصور وقد انفرجت أساريره عندما تصل الأحاديث التى يبثها الى منعطف يسيء الى الأمة أو يؤكد ما أصاب شعبنا من كوارث أو نكسات أو صدمات.. لحظتها تكاد تقرأ على وجه المذكور أمارات من سعادة التشفى الغريب.. وساعتها ايضا لا ترفض ما تراه.. بل تكاد تطلب من أستاذ المرض النفسى الدكتور أحمد عكاشة أن يفسر لك أبعاد هذه الشخصية السيكوباتية.
>> أما اللواء حماد.. فكم تابعنا ما كان يخطه قلمه وها نحن نتابع ما وصل إليه من علو السن ومأساة البحث عن دور لم يأت ابدا فإذا بالنفس الضعيفة الأمارة وقد غلبها طائف الحقد.. نعم الحقد على ذلك الفتى الباهر عبدالناصر حسين.
اللواء حماد لمع اسمه قبل عبدالناصر إذ كان من مرشحى الضباط الأحرار قبيل الثورة فى نادى الضباط.. ورغم ما لدينا من معلومات متواترة عن ليلة 32 يوليه فقد نسلم للرجل انه كان مكلفا بصياغة أول بيانات الثورة..
لكن مقادير التاريخ شاءت أن يجرى على السيد حماد ما جرى على عشرات من الضباط الأحرار من محدودية الدور.. فلا كان الرجل يتمتع بعقلية تنظيمية مثل زكريا محيى الدين ولا بنبوغ إدارى مثل البغدادى ولا بوعى مستنير مثل على صبري.. ولا بموقف سياسى حازم ومشهود مثل خالد محيى الدين ولا بثقافة نهضوية مثل ثروت عكاشة.. ناهيك عن عبقرية الزعامة على مستوى عبدالناصر.. وهى موهبة واستعداد من الخالق عز وجل.. لكن ناصر صقلها بجدية الاستقامة وصرامة المناقبية ومداومة الدرس والاطلاع.
لغيرنا ان يكتب عن صفحات سلبية أو تصرفات لا تسعد أحدا فى سيرة السيد جمال حماد خلال توليه بعض المسئولية ونحن نعف عن هذا السياق وحسبنا أن نشير الى محدودية الدور الذى اقتصر على خدمة القوات المسلحة فى مصر وفى سورية وفى اليمن.. ثم تولى منصب المحافظ فى وسط الدلتا ثم شمالها.. وبعدها كان التقاعد.. ومحاولة لملمة الذكريات والتأسى على ما فات من فرص ضاعت تصورها جمال حماد أن كانت من نصيبه.. وهو لم يكن مؤهلا لها..
أصدر الرجل بدوره كتابا مهما عن حدث الثورة باعتباره أطول يوم فى التاريخ وهو الكتاب ـ الوثيقة من شاهد عيان ومشارك ايضا.
لكن قاتل الله آفة التفكير فى حكاية الفرص الضائعة ولفظة «لو» والتأمل العاجز الى درجة المرض.. هنا يكون الحقد الحقيقي.. ومن ثم الإسقاط السيكولوجى الى حد ان نصف بالحقد عبدالناصر الذى كان زميلا.. وما لبث ان تحول الى قائد وزعيم ثم أسطورة أو أنشودة ما برحت تتردد على ألسنة الملايين.. ما بين مانديلا فى أدغال أفريقيا الى شافيز فى أمريكا اللاتينية.
و.. قاتل الله ضعف النفس البشرية.
وكل اناء حاقد ينضح بما فيه
و.. عفوا يا دكتور عكاشة
.