untitled
 
Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf
سـنوات وأيام مع جمال عبدالناصر
 
الفصل الثاني
التنمية الشاملة في المشروع الناصري
 

 


الفصل الثاني :التنمية الشاملة في المشروع الناصري

حين تركزت آمال الأمة العـربية في الاستقلال ، كانت التنمية هي الهاجس الأساسي الذي حرك عبد الناصر ورفاقه لأن يتصدوا لتغيير معالم الخريطة الاجتماعية في مصر والوطن العربي . وإذا كانت التجربة الناصرية قد أنجزت مداً تحررياً أجهز على ما تبقى من آثار الاستعمار القديم ، فإنها تبنت أيضاً توجهاً لتنمية تنهض بالاقتصاد الوطني وتحرره من قيود التبعـية للإقتصادات الاستعمارية .

 لقد أدركت الثورة منذ البداية ذلك الارتباط العضوي والتلازم بيـن التحرر والتنمية ، وأن جوهراهما واحد ، وغـاياتهما واحدة . وأن تعـظيم عائديهما يتطلب إحداث تغيير جوهري في تنظيم المجتمع . وفي البداية كان التغيير بالقدر الذي أتاحته ظروف معركة الاستقلال السياسي، والكفاح من أجل بناء حكم وطني يستمد جذوره وشرعـيته من الشعب . وتدريجياً بدأت معالم التغيير الاجتماعي تتضح وتأخذ الاهتمام الذي تستحقه . ومن ثم ظهرت الحاجة إلى  ضرورة سد المنافذ التي حاولت القوى المعادية الولوج منها لتعيد السيطرة غـير العسكرية عـلى مقدرات المجتمع .. وبالتالي  كانت هناك ضرورة لاستكمال التحول الاجتماعي ، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة على نحو يمكنها من تحقيق التنمية المنشودة . لم يكن التحول الاجتماعي ليستمر في وجهته السليمة ما لم يكن هناك وضوح في مقومات التنمية لدى عبد الناصر . ولقد مرت التجربة التنموية للثورة بمراحل اتسمت بالثبات في الأسس والمقومات ، مع المرونة في الممارسة طبقاً لتغير الظروف المحلية والدولية .

كانت مصر تمثل حالة خاصة من المستعمرات التي نهبها الاستعمار البريطاني ، والتي غلب عليها تسخير ظروفها وإمكانياتها لإنتاج مواد أولية وخامات تقوم عليها صناعات رئيسية في دول المركز الاستعماري تحقق قيمة مضافة مرتفعة ، وفي الوقت نفسه تحويل المستعـمرات إلى  أسواق استهلاك لمنتجات ذلك المركز . وكان هذا يفرض على المستعمرات نمطاً من الإنتاج قوامه التخصص في إنتاج المواد الأولية، يدعمه تنظيم اجتماعي وسياسي يعيق ملاحقة التطورات التي تحققت في مجالات المعرفة والأساليب الإنتاجية ، ويكـفل ارتباط التبادل التجاري بالمستعمر على هذا النحو الذي يغيب عنه العـدل والتكافـؤ . ولقد ساند الاستعمار في ذلك ، تركيبة اجتماعية اهتمت بتوثيق الصلة بالقوى الرأسمالية الخارجية ، تاركة للشعب ثالوث "الفقر والجهل والمرض" . وهو ما حرمه من المشاركة في شئونه السياسية ، ومن التمتع بثمار ناتجه الاقتصادي، وباعد بينه وبين المستوى الذي حققته جاليات أجنبية تعيش على أرض الوطن ، في ظل امتيازات منحـتها إياها الدولة المستعـمرة . وقد أدى هذا الوضع إلى  أن أصبح المجتمع عـاجزاً عـن إقامة قاعـدة إنـتاجية تـفي بالحاجات الأساسية للمواطنيـن .

وغير قادر على إفراز نخبة سياسية تدرك حقيقة عملية التحرر ومتطلباتها ، وما تفرضه من ضرورة إزالة الأواصر الاقتصادية والاجتماعية بالمستعمر ، لأن تـلك النخبة كانت أساسا وليدة تلك الأواصر . كان الرأسماليون المحليون في الغالب شركاء صغارا في المشاريع الكبيرة المملوكة للأجانب ، وما كان لهذه الظاهرة أن تستمر لعدة أجيال ، لولا ضلوع النظام السياسي فيها ، وحمايته لها . كما كان التباين الشديد في توزيع ملكية الأرض من أبرز مظاهر الخلل الإجتماعـي ، حيث تركزت الملكية في أيد قليلة ، بينما كانت الغـالبية التي تزرع الأرض في الريف كلها من المعـدمين . لم تنفرد مصر عن بقية أقطار الوطن العربي بهذه الظواهر ، إلا أنه في الحالة المصرية كانت تلك الظواهر حـادة الوضوح ، هائلة الضخامة والتأثير السلبي . ولقد روج الفكر الرأسمالي  السائد آنذاك ، لنمط يحيل التنمية إلى  عملية تطور اقتصادي محدودة ، على اعتبار أن التخلص من الاستعمار يؤدي إلى  تحرير الاقتصاد من التبعية ، وأن الرأسمالية المحلية هي المرشحة للحلول محل الكيانات الاقتصادية الخارجية ، مع الحفاظ على علاقات التبعية كما هي. ولم يجاهر هذا الفكر برفض التوجه إلى التصنيع أو إلى الحاجة لتجميع المدخرات ، ولكنه رأى أن عـلى الحكومة أن تلعب دور المحفز ، دون أن تكون بديلا للاستثمار الخاص .

وأن هناك ضرورة للاعتماد على رأس المال الأجنبي ، باعتبار أنه أيسر السبل إلى  تحصيل المعرفـة الفنية الغائبة. وكان موقف ثورة يوليو من هذا النموذج التنموي المطروح ، هو عدم التسليم بالوقوف عند حد تحقيق الاستقلال وإزالة الاستعمار الأجنبي الخارجي ، وحتى عدم الاكتفاء باستقلال اقتصادي شكلي .. بل إنه من الضروري أيضاً أن يتم القضاء على الخلل السياسي والفساد الاجتماعي القائم في الداخل . مما اقتضى أن تكون الثورة ثورتين متلازمتين : ثورة سياسية يسترد بها الشعـب حقه في حكم نفسه من يد طاغية قد فرض عليه ، أو من جيش معتد احتل أرضه .. وثورة اجتماعية لابد أن يترتب عليها تحقيق الكفاية الإنتاجية من جهة .. وتحقيق العدل في توزيع الناتج القومي على القوى التي أنتجته من ناحية أخرى .

وكان هذا المنظور الثوري يفسر لماذا تقاسمت مبادئ الثورة الستة مضمون الثورتين ، فعلى الجانب السياسي جاءت المبادئ الثلاثة الأولى : القضاء عـلى الاستعمار وعملائه من الخونة المصريين ، والقضاء على الإقطاع ، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم .. وعلى الجانب الاجتماعي جاءت المبادئ الثلاثة الثانية : إقامة عدالة اجتماعية ، وإقامة حياة نيابية سليمة ، وإقامة جيش وطني قـوى . وفي الجانب الاجتماعي ، وإدراكاً بصيراً بالواقع المصر والعربي عموماً ..

كان الإصرار على تبنى منهج " تذويب الفوارق بين الطبقات " ، بشكل سلمى وسليم . وكانت قاعـدة ذلك هي استنهاض طاقات المجتمع وتوحيد قواه وتـنظيمها ، ومن هـنا جاء تبنى وتطبيق شعـار " الإتحاد والنظام والعـمل " . وتـتابع تطوير مفهوم الثورة للتـنمية وانحيازها لإقامة العـدل الاجتماعي ، طبقاً لما فرضته ظروف وآليات المواجهة مع القوى المعـادية في الخارج وفي الداخـل ، خاصة بعـد عـزوف الرأسمالية المحلية عـن المشاركة في برامج التصنيع ، وإذا شاركت فلا يكون ذلك إلا بشروطها .

لهذا تبنت الثورة مفهوم التنمية الشاملة ، وربطت بين عملية التحرر وعـملية التـنمية التي تستهدف إعادة بناء المجتمع والاقتصاد القومي والفرد . وفي سبيل ذلك ، فـقد خاضت الثورة معركتين : إحداهما معركة التنمية الشاملة ذاتها، والأخرى معركة صياغة النموذج التنموي المعـتمد عـلى الطاقات والموارد والإمكانات الذاتية ، وتـلك التي يمكن تبادلها تبادلاً متكافـئاً مع الغير .

ولم يكن من السهل علي الثورة أن تنجح في المعركتين دون وضوح في المنطلقات التي اعتمدتها للتنمية، والتي كان لها الفضل في تطوير النموذج التنموي الذي بدأ ينضج في العالم الثالث ، بـل ويؤثر في النظام الاقـتصادي العالمي كله .

إن أبعاد التطوير في النموذج التنموي حكمها عـاملين رئيسيين متعارضين : الأول هو مقتضيات استمرار التحول الاجتماعي، وما يتطلبه من توافق في البنيان الاجتماعي ينسجم مع مفهوم النهضة الذي انطلق منه المشروع الناصري . والثاني هو تحول آليات الاستعمار من الصورة المباشرة إلى  الصورة غير المباشرة ، وبالتالي  استغلال الروابط الاقتصادية والمالية مع المستعـمرات السابقة ، لضمان احتفاظ دول المركز بسيطرتها التي تمكنها من تعظيم فوائضها وعـوائدها من التبادل التجاري غير المتكافئ مع هذه المستعمرات ..

 إلا أن الثورة تمكنت من الوصول بالعامل الأول إلى  أعلى حد إيجابي ممكن ، وتمكنت من تحجيم العامل الثاني وحصر تأثيراته السلبية في أدنى حد ممكن . وقد فرضت عـملية إعـادة تـنظيم الهيكل الاقتصادي للمجتمع إجراءات بعـينها .

كان منها إعادة توزيع الثروة العقارية ، التي أدى تركز امتلاكها إلى  سيطرة القلة العاطلة على الغالبية العاملة والمنتجة ، وإلى  ابتلاع الملكية العقارية للمدخرات الوطنية المحدودة ، والحيلولة دون توجهها نحو الاستثمار المنتج . وكان المجتمع المصري من النماذج الصارخة في العالم على مدى إضرار المضاربة العقارية بمسيرة التنمية . وكان منها .. خلق المناخ الصالح للنهوض الاقتصادي وكفالة العدالة الاجتماعية وتسييد مبدأ " الكفاية والعـدل " . وهذا اقـتضى توسيع قاعدتي الإنـتاج والخدمات ، وتوفير ما عـجز أو امتـنع القطاع الخاص عـن توفيره ، سواء كان توفير الدعم للتصنيع والاقتصاد القومي ، أو كان توفير الخدمات الأساسية اللازمة لحياة المواطنين. واقتضى ذلك أيضاً التخطيط العلمي لاستغلال كافة الموارد الاقتصادية ومصادر الثروة في المجتمع إن مادية أو بشـرية .

وقد تم ذلك بخبرات اقتصادية وطنية رفيعـة المستوى أدت أداءً عـالياً في مجالات التخطيط والتـنفيذ والمتابعة ، والتقويم والتصويب . وقد تم إصدار التشريعات اللازمة لاجتذاب رأس المال الأجنبي للمساهمة في التنمية الإنتاجية في الميادين التي عـالية التكاليف ، والتي تتطلب قدراً عالياً من الخبرة ، وتنطوي على عنصر المخاطرة ، كما هو الشأن مثلاً في حالة الثروة المعدنية ، وتم نفس الإجراء لتشجيع رأس المال المحلى أيضاً . وجاء ذلك عـلى قاعـدة عـدم المساس بالسيادة أو المصلحة القومية العليا.

من ناحية أخرى وجهت الثورة عنايتها إلى  إصلاح النظام الضريبي ، حيث لوحظ أن المبالغة في الضرائب غير المباشرة كان لها آثاراً سلبية على النمو الاقتصادي بتقليل حجم المدخرات الوطنية . وقد شهدت البدايات الأولى للنهوض الاقتصادي ضعـف تعـبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو الاستثمارات المنتجة ، بسبب المضاربات والسيطرة الأجنبية عـلى سوق الأوراق المالية .

الأمر الذي أدى إلى  أن يقوم " المجلس الدائم للإنتاج القومي " بدور بالغ الأهمية في تخطيط وإدارة مختلف مشروعات التنمية الاقتصادية التي تمت خلال السنوات الخمس الأولى للثورة والتي شملت مجالات الري والتوسع الزراعي وتـنمية الثـروة المعـدنية وتكرير البترول والمواصلات وغـيرها .كما أعد المجلس مشروعا لكهربة القطر المصري على مدى عشرين عاماً .

كما انطلق " التصنيع الحربي " الذي تميز بالتكامل الفني والتميز النوعي . والذي توسع ليدخل في ميادين الإنـتاج المدني .. ويفتح بذلك الطريق أمام الدخول في الصناعـات الهندسية المتطورة ، وكانت تلك المصانع والصناعـات مدارس هامة لتربية لكادر الفني في العملية الإنتاجية ذاتها ، كما أسهمت في تدريب أعداد كبيرة لتولى المسئوليات الفنية والإدارية العليا في مختلف مجالات الإنتاج والخدمات . في عـام 1955 كانت قد بدأت مرحلة جديدة تميزت بالتخطيط القومي الشامل واعتباره عملية مستمرة ، تبدأ بتحديد الأهداف ، ثم وضع إطار عام للخطة ، فدراسة المشروعات في مختلف القطاعات دراسة تفصيلية ، والتأكد من اتساق آثارها مع إطار الخطة بما يضمن تحقيق الأهداف الرئيسية .

مع الاستفادة الكاملة من مجمل موارد الدولة في القطاعين الحكومي العام والقطاع الخاص . ولم تكن المنظومة المعـادية لمشروع " النهضة بالتـنمية " لتـرضى عـن ذلك أو تـقبله . فسحبت الولايات المتحدة الأمريكية ثم البنك الدولي للإنشاء والتعـمير العرض الذي قدم لتمويل بناء السد العالي  . في الوقت نفسه ظل رأس المال الأجنبي محجما عن الاستفادة من جميع التيسيرات التي منحت له ، أما البنوك الأجنبية فإنها إلى  جانب عدم سعيها إلى  تمويل الصناعة، فإنها كانت تميز الأجانب على المصريين في المعاملة ومنح القروض .

وجاء الـرد من مصر الثورة بتأميم قـناة السويس في يوليو 1956 ، وعـلى الفور وبتوجيهات من مراكزها الخارجية كفت البنوك الأجنبية يدها عن تمويل محصول القطن ، وطاش صواب أمريكا وبريطانيا وفرنسا وتآمروا مع إسرائيل للعدوان على مصر، وجمدت بريطانيا أرصدة مصر لديها البالغة 107.4 مليون جنيه، وألغـت الولايات المتحدة معـونة القمح وجمدت 20.9 مليون جنيه، وفعلت الشيء نفسه فرنسا ، وألغت ألمانيا الاتحادية المعـونة الفنية لدعم الصناعة وحولت قيمتها كتعـويضات غير مستحقة لإسرائيل . لكنه قد تزامن مع تأميم القناة ، انعقاد اللجان المكلفة بصياغة اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية بناءا على طلب من اللجنة السياسية للجامعة العربية في 1954 ثم في 1956.

حينها اكتملت منظومة الصيغة الجديدة للتنمية العربية المشتركة ، وساد شعور قوى بالدور المحوري الذي يمكن أن يلعـبه التكامل الاقتصادي العربي في إنهاء الخلل الذي استمر يعرقل مسار التنمية في كل الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال ، وكان من ثمار هذا الشعور تحول هذا التكامل إلى  وحدة اندماجية بين مصر وسوريا في أوائل 1958. أعقبها اعتماد أول خطة شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في إقليمي الجمهورية العربية المتحدة سوريا ومصر .

 إن النصف الأول من ستينات القرن العشرين ، يمثل مرحلة حاسمة في حياة الثورة وتطور نموذجها التنموي . فقد شهدت هذه المرحلة اعتماد أول خطة قومية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل من إقليمي الجمهورية العربية المتحدة مدتها خمس سنوات ، ولو أن الانفصال في عام 1961 أحدث انقطاعا في خطة الإقليم الشمالي  . كذلك اتضح مدى انتهازية القطاع الخاص وتردده ، حيث لم يكتف بالتقاعس عن المساهمة الجادة في التنمية ، بل حاول أن يثري على حساب النشاط المتزايد الذي قامت به الدولة في عمليات الاستثمار ، وأن يمارس أنشطة تجارية طفيلية وغير إنتاجية ، ليس هذا فقط ، بل عمد إلى  أن ينأى بمكاسبه بتحويلها أو تهريبها إلى  الخارج .

وقد تعين على الثورة أن تعالج هذه الأمور عن طريقين ، الأول: هو توسيع نطاق النشاط الإنتاجي الذي تتولاه الدولة عن طريق التأميمات التي أريد بها حماية مدخرات الشعب وتعزيز مكتسباته ، والثاني : هو إحداث تحول اجتماعي شامل ساهمت في صياغته مختلف فئات الشعب العاملة من خلال ميثاق العمل الوطني ، الذي وضع أسساً راسخة لنموذج جديدا للتنمية، يستجيب لمعضلات الواقع ، ويتفاعل معها ببصير علمية وعملية ، من أجل تحقيق أهداف المجتمع . وهكذا شهد شهر يوليو 1961 صدور عدد من القوانين التي وضعت الدولة على المسار الاشتراكي  ، وخصصت مجموعة من هذه القوانين لتعديل قواعد الملكية والإدارة بإعطاء العمال والفلاحين والفئات الوسطى حقوقاً عادلةً في الناتج لقومي ، يتناسب مع جهدها المبذول في تحقيقه .

لقد أصبح واضحاً أن التنمية المنشودة في النموذج الناصري تتطلب وجود قطاع عام قوي ، يقود العـملية الإنـتاجية ، ويمكن الدولة من تعبئة مدخراتها الوطنية ، ويوفر ميزاناً ثابتاً للعدل بمشاركة الأمة في ملكية وسائل الإنتاج ومشاركتها في اقـتسـام عائده . وقد بدأ العقد الثاني لحكم الثورة بإصدار ميثاق العمل الوطني عـام 1962 الذي حدد حركة الثورة ، وأكد عـلى اللحمة العضوية بين الحرية السياسية وبين العـدالة الاجتماعية ، وحدد مفهوم الديمقراطية في الفكر الناصري بتأكيد سيادة الشعب ، ووضع السلطة الكاملة في يد فئاته العاملة ، الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين الثوريين والرأسمالية الوطنية ..

وحدد بدقة معـالم المجتمع الاشتراكي  وعرفه بأنه مجتمع الكفاية والعدل ، مجتمع العمل وتكافؤ الفرص ، مجتمع الإنتاج والخدمات . وهكذا تبنى الميثاق " حتمية الحل الاشتراكي  " لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي ، كحتمية تاريخية فرضها الواقع وفرضتها الآمال العريضة للجماهير ، وأعـلن موقفاً صريحاً رافضاً لتجارب التـنمية الرأسمالية التي تلازمت تلازماً كاملاً مع النهب الاستعماري ، إضافة إلى  أن رأس المال المحلي في البلاد التي أرغمت على التخلف بطبيعـته غـير قادر عـلى منافسة الاحتكارات العالمية إلا من وراء أسوار الحماية الجمركية العالية التي تقتطع من أقوات الجماهير ، ومن ثم فإنه لا يملك إلا أن يصبح ذيلا تابعـاً لتلك الاحتكارات .

 ولم يكن الرفض مجرداً لتلك التجارب .. وإنما صاحب الرفض رد منطقي عليه ، تمثل في انتهاج التخطيط الاشتراكي  الكـفء ، الذي يقود عملاً علمياً منظماً ، ويواجه التحديات المفروضة ويتعـامل معها عـلى المدى القريب والبعـيد .

ويقدم حـلاً " للمعـادلة الصعـبة " المتمثلة في كيفية زيادة الإنتاج وفي الوقت نفسه زيادة الاستهلاك من السلع والخدمات ، مع استمرار التـزايد في المدخرات الوطنية من أجل تمويل الاستثمارات الجديدة ؟ وقد ترتب عـلى معركة التصدي لمواقف ومؤامرات المنظومة المعـادية ، أن بلغ معـدل النمو في الخطة الأولى 6 % ، وهو الذي كان مقدراً أن يصل إلى  7.2 % .

الأمر الذي جعـل المدى الزمني المطلوب لمضاعـفة الدخل القومي 12 سنة بدلاً من عشر سنوات كما كان مقدراً . كما أن التحدي الخارجي قد بلغ ذروته بتدبير عدوان 1967 تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية ، التي عقدت العزم على إجهاض التجربة الاشتراكية ، حتى لا تنتشر عدواها إلى  دول أخرى عديدة ، كان للثورة الدور الأساسي في دعم كفاحها من أجل التحرر من الاستعمار والهيمنة .

ولم يكن من اليسير وضع خطط بعيدة المدى في ظل ظروف عدم اليقين التي أحدثتها النكسة ، فظل التخطيط السنوي هو الأداة القادرة على متابعة وإدارة موارد الدولة المادية والبشرية ، مع التصميم على السير في النهج الديمقراطي الاشتراكي  ، وهو ما أكده بيان 30 مارس 1968 الذي أعاد ترتيب الأولويات فأكد عـلى منح معـركة إزالة آثار العـدوان أولوية مطلقة . وأكد على الاستمرار عمليات البناء والإنتاج العسكري ..

وأكد على ضرورة إعـادة تشكيل مستويات الاتحاد الاشتراكي  من القاعدة للقمة بالانتخاب ، وهو سلوك ديمقراطي رفيع المستوى ، بالغ الدلالة في زمنه وظروفه ، ومتقدماً عليهما . لقد أدى التوسع الكبير في الخدمات العامة إلى  حدوث ارتفاع كبير في الاستهلاك الجماعي ، ومن ثم الاستهلاك الكلي على حساب الادخار المحلي الذي توقف عـند14 % أي ثلثي الهدف المقرر له في الخطة ، وهو ما كان له بعض الأثر في عدم تحقيق هدف نمو الدخل القومي تحققاً كاملا ، نتيجة ضعف الاستثمار الناتج عن ضعف الادخار . كما شهدت بداية فترة التحول الاشتراكي  قفزة كبيرة في الاستهلاك العائلي ، ثم تلاها توسع في الاستهلاك الجماعي .

وهكذا ساهمت زيادة الاستهلاك في عـدم استطاعة تحقيق الهدف الكلى للخطة كما كان مقدراً له. كان الاقتصاد المصري يعاني من نقص في التشغيل ، وقد تمثل ذلك في نوعين من البطالة ، أحداهما سافر والآخر مقنع يمثل العاملين الذين لا ترقي إنتاجيتهم إلى  المستوى الذي يتناسب مع التشغيل الكامل لإمكانياتهم الإنتاجية ، إلا أن قوة العمل ارتفعت بتوالي  تنفيذ مشروعات الإنتاج والخدمات ، حتى وصلت نسبة التشغيل إلى  92.6 % وهو ما حقق اقتراباً حاسماً من حالة التوظيف الكامل . ولقد ظهرت عدة مشاكل سعت الخطة الخمسية الثانية إلى  معالجتها . فقد شهدت فترة تنفيذ الخطة انفصال الإقليم الشمالي  ، وأعباء حرب اليمن ، إضافة إلى  آثار التغيرات الهيكلية الاقتصادية التي ترتبت على صدور القرارات الاشتراكية وفي مقدمتها زيادة معدلات الاستهلاك، مما أدى إلى  تحول الفائض المحدود إلى  عجز بلغ الذروة في السنة الرابعة من الخطة ثم تراجع ، وإن ظل كبيرا في السنة الخامسة .

ومما زاد الأمور تعقيداً أن جانباً كبيراً من العجز في التبادل الخارجي حدث بالنسبة لمناطق العملات الحرة ، مما أضاف ضغوطاً جديدة على موارد الدولة من هذه العملات .ودفع ذلك إلى  التفكير في تعديل سياسة الإحلال محل الواردات بإعطاء أولوية لبدائل الواردات من السلع المحلية ، كما دفع إلى  تنمية التصدير إلى  المناطق التي تتعامل بالعملات الحرة . إن تحليل أسباب ضعف القدرة التنافسية الذي انعكس على موقف ميزان التبادل الخارجي ، قد فرض ضرورة العناية على نحو محدد بقضية رفع الكفاءة الإنتاجية ، خاصة وأن هذه القضية تزداد أهميتها مع الاقتراب من حالة التوظيف الكامل ، إذ يصبح نمو دخل الفرد مرتبطا بصورة مباشرة بالنمو في مستوي كفاءته الإنتاجية .

 كما أن حرب يونيو 1967 أفقدت الدولة قدرا كبيرا من الموارد ، ودمرت جانباً من البنية الأساسية، وأصبح من الضروري تعويض خسائر القوات المسلحة من أجل مواصلة الصمود وإزالة آثار العدوان ، وترتب على ذلك تراجع معدلات الاستثمار وهو ما كان له أثره السلبي على معدلات نمو الإنتاج المدني . رغم كل الظروف والمعوقات ، فإن التنمية كانت جوهر المشروع الناصري الذي لم يدخر وسعا لانتهاج مختلف السبل من أجل بلوغها ، كما لم يتردد في تطوير أساليبه سعياً إلى  تحقيق الأهداف التي اعتبرها من ثوابته الأساسية ، والواقع أن التجربة تعتبر نموذجا لما يسمى "الإدارة بالأهداف" .

فقد ساعد وضوح الأهداف والتمسك بها على توفير المعايير التي يمكن بها قياس قدرة الأساليب المختلفة على الإنجاز ، وعلى توفير المرونة في صياغة السياسات والنظم والأدوات ، واختيار من بينها ما يحافظ على المعالم الأساسية للتجربة ، حتى في ظل التغيرات التي تعرضت لها خلال المراحل التي مرت بها سواء فرضتها ظروف التغيير وطبيعته ومداه ، أو فرضتها المنظومة المعادية بالتآمر والاشتباك والحرب المسلحة .

ورغم حداثة العهد بالتنمية على المستوى العالمي عـموماً ، وعـلى مستوى العالم الثالث خصوصاً ، فإن الثورة أقدمت عليها منذ البداية دون تردد ، وعملت على تطوير مفهومها خلال التجربـة ، وأسفر ذلك عن بناء مفهوم للتنمية تكاملت أبعاده في النقاط العشر التالية :

 1-  لم تتوقف التجربة التنموية عند حد تغيير وظائف الهياكل الاقتصادية التي بنيت في ظل الاستعمار ، بل عملت على تغيير هذه الهياكل من الأساس . ولولا أن التجربة بدأت بإزاحة الاحتكار وسيطرة رأس المال عـلى الحكم ، ودعت منذ البداية إلى  تحقيق العدالة الاجتماعية ، لما قيض لها أن تحقق ما أنجزته من نتائج وضعتها في مصاف التجارب الرائدة ، فكرا وتطبيقا.

 2-  كانت قضايا رفض الغرب تسليح الجيش المصري ، ورفض تمويل بناء السد العالي  ، وتداعيات تأميم قناة السويس ، والعدوان الثلاثي ، ودفع سوريا إلى  الانفصال عن دولة الوحدة، وحرب 1967 ، كلها أدوات عدوان سعت إلى  تحجيم إرادة التنمية الوطنية المستقلة .. وأسفر رأس المال الأجنبي بعزوفه عن الاستثمار من ناحية، وتدخله السافر لتسييس قرارات المؤسسات الاقتصادية الدولية من ناحية ثانية ، عن زيف الادعاء : بأن التنمية يمكن أن تمضي في طريق اقتصادي محايد وبعيد عن مقتضيات الأمن القومي الذي تعتبر التنمية في حقيقتها جزءا لا يتجزأ منه .

3-  وحتى تكون التنمية عضداً للتحرر الوطني، وسندا للأمن القومي ، كان من الضروري أن تكون مستقلة تفرضها إرادة وطنية بالاعتماد على النفس . ولم يكن من الغريب أن تلجأ قوى الاستعمار والاستغلال إلى  محاولة تشويه هذا المنهج ، بتصويره على أنه انكفاء على الذات ، وإلى  محاولة فرض علاقات تبعية من خلال حالة عدم التكافؤ التي تسود العلاقات الدولية ، والتي تحرم الدول النامية من حرية اتخاذ القرار، وصولاً إلى  الأهداف التي تتبناها لنفسها . وقد أثبت نموذج التنمية الناصري ، أن استقلال التنمية لا يعنى انعزالاً عن باقي العالم ، بل استهدف تصويب هيكل العلاقات الخارجية ليصبح أكثر عدلاً .

وأنه حين تبنى مبدأ إحلال الواردات ، فإنه سرعان ما شدد على ضرورة زيادة الصادرات . ولم يكن من الممكن الاستمرار في مسيرة التنمية إلا بتحرير قرارات التمويل من السيطرة الأجنبية، سواء محليا بالسيطرة الوطنية على قطاع المال، أو خارجيا بإيجاد مصادر للتمويل غير المشروط . وأدرك النموذج أنه لا يمكن لدولة أن تستمر في التنمية إذا لم تسيطر على مصادر المعرفة التكنولوجية ، وإذا لم يتم النهوض بمستوى التعليم والتدريب والبحث العلمي .إن استقلال التنمية كان يعني في النموذج الناصري ، تحرير قرارات التبادل التجاري ، وحركة رأس المال ، وتوفير المعرفة ، وهي أمور تشكل الأسس السليمة لتحقيق الانفتاح على العالم الخارجي دون استسلام لقوى الهيمنة الخارجية .

 4-  أخذت التجربة بمنهج اقتحامي لا انطوائي ، سعت من ورائه إلى  التأثير في البيئة الدولية على نحو يزيد من قدرتها على تحقيق أفضل شروط للتنمية المنشودة . فقد رفضت تقسيم العمل الذي فرضته الرأسمالية العالمية على دول العالم الثالث وعملت على تغييره ، وأدركت أن عليها أن تضم قواها إلى  قوى دول نامية أخرى تتفق معها في مشاكلها التنموية ، من أجل تغيير هيكل العلاقات الخارجية السياسية والاقتصادية. وحاولت أن تضع نموذجا للتعاون بين دول العالم الثالث بالتنسيق مع الهند ويوغوسلافيا في نطاق حركة عدم الانحياز ، وأعلنت تمسكها بالحياد الإيجابي الذي جنبها أن تتحول إلى  مخلب قط في يد الرأسمالية العالمية في صراعها مع المنظومة الشيوعية الدولية ، سواء في ميادين الحرب الباردة ، أو في ميادين الصراعات والتحالفات الإقليمية .

 5-  اختار نموذج التنمية الناصري الإنسان موضوعا للتنمية وهدفاً لها يعلو فوق السلع والخدمات ، واعتبر أن التنمية هي في حقيقتها نهضة بشرية قبل أن تكون تشييداً عمرانياً أو صناعياً . وأكد أن الإنسان هو أداة التنمية وغايتها في نفس الوقت . فأعاد بذلك تأكيد أحد ثوابته الأساسية وهو اللحمة العضوية بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية . وهكذا فإن نموذج التنمية الناصري تجاوز الإطار الاقتصادي ليحدث تغييراً يتـفق ومفهوم النهضة الحضارية الشاملة والمتكاملة .

 6-  تم تحديد أهداف التنمية علي النحو الذي يلبي الحاجات الأساسية للجماهير والانحياز لها، فالتصنيع ورفع معدلات الدخل القومي يمكن أن يتما بصور عديدة ، تختلف في مضامينها الموضوعية رغم تماثلها في الأبعاد الكمية ، وقد انحازت الثورة منذ اللحظة الأولي إلى  جموع الشعب العامل ، ليس فقط من حيث توزيع الدخل ، بل وفي اختيار ما توجه إليه الثروة الوطنية من نشاطات .. وحيث اتضح قصور قوي العرض والطلب عن توفير أساسيات الحياة من السلع والخدمات بالتكلفة التي تجعلها في متناول الجميع ، فقد قامت الدولة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمعالجة هذا القصور وتولت مسئولية توفيرها . إن الثورة بتبنيها مبدأ كفاية الإنتاج وعدالة التوزيع ، قد وضعت اللبنات الأولي لمنهج تبعها فيه الفكر الاقتصادي العالمي . إننا نشاهد اليوم حالات تفاقمت فيها المشاكل الاجتماعية رغم ارتفاع معدلات النمو ، ولا يقتصر ذلك علي الدول حديثة العهد بالنمو ، كنمور آسيا ، بل إن الأمر دفع الدول المتقدمة إلى  البحث عن نهج جديد فيما يطلق عليه الطريق الثالث ، الذي يمكن وصفه بأنه محاولة للأخذ بما سبقت إليه الثورة الناصرية من المناداة بإقامة مجتمع الكفاية والعدل .

 7-  تؤدي التنمية ، بما تحدثه من تغيرات جوهرية في بنيان المجتمع ، وهيكل الاقتصاد ووظائف الوحدات المختلفة ، إلى  إلقاء مسئوليات إضافية علي الدولة تتجاوز مسئولياتها عن الإدارة اليومية لشئون المجتمع ، ولا تنحصر هذه المسئولية في توجيه مسار التنمية ، وما يتطلبه من سياسات وإجراءات وتشريعات فقط ، بل تتجاوز ذلك إلى  قيامها مباشرة ببعض النشاطات التي يتعذر أداؤها بغير تدخل مباشر منها ، إما بسبب قصور في الهياكل المؤسسية ، أو بسبب غياب المعرفة بها نتيجة لما يقترن بالتخلف من تواضع القدرات ونقص المعرفة .

 8-  لم يكن قيام الدولة بدور رئيسي في عملية التنمية يعني سيطرة كاملة علي شئون التنمية فيما يطلق عليه الآن اسم " النظم الشمولية ". ورغم إدراك أهمية إفساح المجال للمبادرات الفردية ، فإن التجربة لم تأخذ بنهج " آليات السوق " الذي يوكل قرارات التنمية كلها إلى  الأفراد ، بل انحازت إلى  إعطاء القيادة للقوى المستفيدة أصلا من التنمية ، وهي قوى المجتمع صاحبة المصلحة في السلطة وفي الثروة . وقد أخذت التجربة بمركزية التخطيط ولامركزية التنفيذ ، بمعنى أن الوحدات تقدم مقترحاتها التي تبنى على أساسها الخطة المركزية ، التي بعد إقرارها تعود إلى  ذات الوحدات لتنفذها وفق ظروفها وواقعها الذاتي .

 9-  من أهم معالم التجربة التنموية الناصرية ، هو تأكيدها على ملكية الشعب لوسائل وأدوات الإنتاج . وأن هذه الملكية مؤسسة على شرعية من التاريخ والمنطق والواقع .. فمن ذا الذي إذاً يمكن أن يدعى ملكية الناتج القومي وأدوات إنتاجه ، غير القوى التي تنتجه فعلاً بتلك الأدوات ؟ وقد كان القطاع العام محور الارتكاز لملكية الشعب وأبرز معالمها وأقوى ضامن لها . وهذا في حد ذاته يسقط كل الدعاوى والتخريجات التي تسرى الآن لبيع هذا القطاع وخصخصته . إن الملكية العـامة للشعب هي حقه الدستوري، ولا يمكن أن يكسرها أو يلغيها قرار تصدره أية جهة تنـفيذية لينال من تلك الملكية وهذا الحق .

 10-  وبحكم أن التنمية تعني تطويرا للحاضر وتحسينا للمستقبل ، فإنها بحاجة إلى  أساليب تحليل علمية قادرة على تشخيص الحاضر، واستكشاف مشاكله، والتعرف على ما هو متاح من موارد وإمكانات ومعرفة ، وقادرة على التنبؤ بتوجهات المستقبل وما تنطوي عليه من مصادر قوة أو أسباب ضعف ، بما يعني استخداماً وافياً لأساليب التحليل العلمي والتنبؤ وأساليب اتخاذ القرار على المستويات المختلفة .

إن عمق وتشابك قضايا التنمية ، وأخذ التنمية القومية ذاتها بالأسلوب العلمي، قد أوجب النهوض بمستويات الإدارة العليا والوسطى ، فكان من أهم ثمارها المعاهد والهيئات القومية للإدارة والتخطيط والبحوث .. إلى  جانب النهوض بمتطلبات التدريب ورفع الكفاءة المهنية ، وتحقيق ديمقراطية المعرفة من خلال جعل التعليم بجميع مراحله حقا مجانياً للجميع


 

رجوع الى بداية الصفحة  


 
Graphic by Martin
A Man ... A Nation ...


الـرجوع الى الفهـرس للمتابعة والمواصلة

 



eXTReMe Tracker  

© 2008  جميع الحقوق محفوظة لكل من سامى شرف ويحى الشاعر

© 2008 Yahia Al Shaer. All rights reserved.

This web site is maintained by

 

ICCT, International Computer Consulting & Training, Germany, US



Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Allwebco Web Templates · Build your own toolbar · Financial Data · Audio, Fonts, Clipart
powered by a free webtools company bravenet.com