untitled
 
Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf
سـنوات وأيام مع جمال عبدالناصر
 
الأنجازات الإقتصادية والأجتماعية والصناعية
(انتصارات عبدالناصر , في ذكرى رحيل عبدالناصر )
 
 بقلم
بشير حنيدي
 

ليس مبالغة القول بأن المرحلة الناصرية كانت أعظم مرحلة في التاريخ الحديث والمعاصر للأمة العربية .
وليس غلواً القول بأن الأمة العربية بعد صلاح الدين الأيوبي لم تعرف قائداً مثل جمال عبدالناصر , ولم تعرف قائداً بعد عبدالناصر .
ليس ذلك موقفاً شخصياً أو وجهة نظر خاصة وليست ادعاءً , بل ليست محاولة لتصنيع بطولة أو زعامة لهذا الحاكم أو ذاك , كما حاول ويحاول عبثاً مثقفي وكتبة بعض الأنظمة العربية التي جاءت بعد عبدالناصر , إنها حقيقة تؤكدها وقائع التاريخ وأحداثه .
لتأكيد هذه الحقيقة أولاً , ووفاء لعبدا لناصر في ذكرى رحيله ثانياً , لابد من استذكار انتصارات عبدالناصر والتذكير بها لمن ينكرها أو لا يعرفها .
ثمانية عشر عاماً هو العمر الحقيقي للثورة التي قادها الزعيم الراحل , كانت كلها معارك على الإطلاق في إطار حرب طويلة الأمد خاضها عبدالناصر منذ 23 تموز 1952 حتى الثواني الأخيرة في حياته في 28 أيلول 1970 .
حرب طويلة الأمد بمعارك متعددة , لا تفصل بين الواحدة والأخرى سوى بضعة أيام أو بضعة أسابيع في أحسن الأحوال في الميدان العسكري , وحرباً طويلة الأمد بمعارك متداخلة متصلة , في الميدان السياسي , تمكن بجدارة من تحقيق النصر في كل المعارك التي كان فيها هو المهندس وصاحب القرار .
وعندما هزم بمعركتين أساسيتين , معركة الوحدة النواة ( 1958 / 1961 ) كخطوة على طريق التوحيد , ومعركة حزيران 1967 , فلم يهزم في الأولى لولا الخيانة والتآمر في الإقليم الشمالي ( سوريا ) , ولم يهزم في الثانية لولا الطابور الخامس في الإقليم الجنوبي ( مصر ) .
لقد تحدث التاريخ مطولاً عن حالة مصر قبل 23 تموز 1952 , وقد أوجز عبدالناصر في الميثاق كل ما تحدث عنه التاريخ :
- لقد كان الغزاة الأجانب يحتلون أرضه ( الشعب المصري ) وبالقرب منه القواعد المدججة بالسلاح , ترهب الوطن المصري وتحطم مقاومته .
- وكانت الأسرة المالكة الدخيلة تحكم بالمصلحة والهوى وتفرض المذلة والخنوع .
- وكان الإقطاع يملك حقوله ويحتكر لنفسه خيراتها ولا يترك لملايين الفلاحين العاملين عليها غير الهشيم الجاف المتخلف بعد الحصاد .
- وكان رأس المال يمارس ألواناً من الاستغلال للثروة المصرية بعدما استطاع السيطرة على الحكم وترويضه لخدمته .
- ولقد ضاعف من خطورة المواجهة الثورية لهذه القوى المتحالفة مع بعضها ضد الشعب , أن القيادات السياسية المنظمة لنضال الجماهير قد استسلمت واحدة بعد الأخرى , واجتذبتها الامتيازات الطبقية وامتصت منها كل قدرة على الصمود , بل واستعملتها بعد ذلك في خداع جماهير الشعب تحت وهم الديمقراطية المزيفة .
- وحدث نفس الشيء تماماً مع الجيش الذي حاولت القوى المسيطرة على مصالح الشعب أن تضعفه من ناحية وأن تصرفه من ناحية أخرى عن تأييد النضال الوطني , بل وكادت أن تصل إلى استخدامه في تهديد نضاله وقمعه .
هذا هو حال مصر قبل 23 تموز 1952 , وهذه هي أولى الحقائق التاريخية في سياق حديثنا هذا , فهل ينكرها خصوم عبدالناصر ؟؟ .
في مواجهة هذا الواقع كان لابد من الثورة , ولا بد من طليعة ثورية تتحمل المسؤولية وتتصدى لهذا الواقع , وفي غياب الطليعة الثورية بالمعنى العقائدي السياسي التنظيمي , كان على النخبة العسكرية في الجيش المصري أن تتحمل المسؤولية , وكان قدر مصر وحسن حظها أن يوجد بين صفوف هذه النخبة القائد العسكري جمال عبدالناصر .
وكان قدر عبدالناصر أن يوجد بين صفوف هذه النخبة ليحمل شرف التغيير الثوري في مصر استئنافاً للخط الثوري الذي بدأه أحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد , ذلك الخط الذي أضاف إليه عبدالناصر بعداً آخر , إنه البعد القومي العربي , إدراكاً وإيماناً منه بعروبة مصر وبوحدة المصير لأبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج .
وإذا كان عبدالناصر لا يمتلك نظرية متكاملة للثورة , فلا بد من التساؤل :
هل استطاع من يمتلكون المنهج والنظرية تغيير الواقع قبل عبدالناصر ؟
وهل فعل من تسلحوا بالنظريات في بلدانهم أكثر مما فعل عبدالناصر في مصر ؟
وإذا كانت الثورة الناصرية قد انتكست فهل استطاع من تسلحوا بالنظريات الثورية حماية ثوراتهم من الإنتكاس ؟
لقد كان عبدالناصر ذاته يدرك تماماً أنه لا يمتلك نظرية لتغيير الواقع (( ...... ولم يكن مطلوباً مني يوم 23 يوليو أن أطلع ومعي كتاب مطبوع وأقول هذا الكتاب هو نظرية ... لو قعدنا نعمل هذا الكتاب قبل 23 يوليو , لم نكن قد عملنا 23 يوليو )) .
إلا أنه كان يمتلك نمطاً ثورياً في التفكير , ونمطاً ثورياً في قراءة الواقع بكل أبعاده الجغرافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية .
نمطاً ثورياً علمياً في التفكير أتاح له تحديد مشكلات الواقع بدقة , وترتيبها وفق منطق الأولويات , ووفق جدلية العلاقة بينها , وبالتالي تحديد منطلقات وأساليب وأهداف التغيير وفق منطق الواقع الممكن والواجب الثوري .
وفق هذا النمط من التفكير تمكن عبدالناصر من تحديد المبادئ الستة للثورة كدليل عمل باتجاه التصدي لمشكلات الواقع , وباتجاه التغيير الثوري المطلوب , ومن ثم إعادة بناء مصر أولاً كقاعدة للنضال والتغيير الثوري في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج , لتكون فيما بعد نموذجا للتغيير الثوري في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .
وفق هذا النمط الثوري من التفكير أدرك عبدالناصر وهو محاصر مع المحاصرين في الفالوجة أن المعركة الحقيقة في القاهرة وليست في فلسطين , وأن معركته الأولى في القاهرة إنما هي مع النظام السياسي الحاكم في مصر تحت مظلة الاحتلال , وليست مع الإحتلال , فلو بدأ المعركة مع الاحتلال في ظل النظام السياسي الحاكم في مصر , لقمعها الاحتلال وأجهضها كما قمع وأجهض ما قبلها من ثورات منذ عام 1882 .
لذلك كان الهدف الأول والمدخل الحقيقي للثورة والتغيير هو تغيير النظام السياسي أولاً وإسقاط العرش العميل وأعوانه عملاء الإحتلال .
وما قام به عبدالناصر في 23 تموز 1952, كان أول انتصاراته على الإطلاق , فهل ينكر خصوم عبدالناصر أنه انتصر في 23 تموز 1952, وأسقط النظام الملكي العميل الفاسد ؟؟
والخطوة التالية بالتأكيد هي مواجهة الاحتلال بمعركة التحرير والاستقلال , وباتجاه هدف التحرير كان يدرك عبدالناصر تماماً أن المحتل لا يفهم إلا لغة القوة , وأن إخراج القوات البريطانية لن يتم إلا بالإكراه .
وكان يدرك تماماً أن قوته العسكرية عاجزة عن إلحاق الهزيمة بالقوات البريطانية , ( نحن نعرف أننا لا نستطيع هزيمة الجيش البريطاني , ولكننا نعرف أنه بإمكاننا أن نجعل مركز بريطانيا في مصر عديم الفائدة لها ولحلفائها ) .
لذلك فالطريق الوحيد هو الكفاح المسلح من خلال حرب العصابات الفدائية المنظمة , فكانت المهمة الأكثر إلحاحاً هي إعادة بناء الجبهة الداخلية أولاً ومن ثم الإعداد للعمل الفدائي المسلح ضد قوات الاحتلال .
فأنشأت قيادة الثورة وحدات العمل الفدائي ووضعت الخطط والبرامج المطلوبة لإشعال الثورة المسلحة , ونجحت وحدات العمل الفدائي بتوجيه ضربات مؤلمة لقوات الاحتلال وقواعدها , فاستشعرت قوات الاحتلال خطورة الموقف وجدية قيادة الثورة بطروحات التحرير , وقامت بتعزيز قواتها باستدعاء المزيد من القوات من بريطانيا وقبرص وليبيا وأفريقيا لمواجهة الثورة , بالمقابل كانت تلح على قيادة الثورة بالبدء بالمفاوضات من أجل توقيع اتفاقية لجلاء القوات البريطانية من مصر .
بدأت مفاوضات الجلاء في 24/ نيسان 1953 وتوجت أخيراً بأغلى انتصارات مصر على الإطلاق , وهو توقيع اتفاقية الجلاء في 27 تموز 1954 , وفي 13 حزيران 1956 تم إجلاء آخر جندي من مصر , وفي 18 حزيران 1956 رفع عبدالناصر العلم المصري على مبنى القوات البحرية في بورسعيد .
فهل ينكر خصوم عبدالناصر أنه انتصر في معركة التحرير وحقق الجلاء عن مصر ؟؟؟ .
انتصارين لا يستطيع خصوم عبدالناصر إنكارهما إطلاقاً فهما حقيقتان يقرهما التاريخ , لكنهم بسطحية وسذاجة , أو بمكر وخبث يشككون بهذين الانتصارين العظيمين , مدعين بأن بريطانية لم تكن عاجزة عن سحق الثورة منذ انطلاقتها في 23 تموز ...... , إلى آخر ما يمكن أن يقال في سياق هذا التشكيك .
قد نتفق معهم على قدرة بريطانيا على سحق الثورة , لكنها وفي مرحلة النهوض الوطني للتحرر من الاستعمار على المستوى العالمي ككل , لن تكون قادرة على الاستمرار في الاحتلال الذي أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً عليها وعلى جنودها في مصر .
وفي المرحلة التي نضجت فيها لدى كل منظومة الدول الاستعمارية , فكرة التخلي عن أسلوب الاستعمار المباشر والتحول إلى أسلوب الاستعمار الحديث .
وفي إطار هذا التوجه الاستعماري الجديد وجدت بريطانيا نفسها مضطرة للتخلي عن عميلها الملك فاروق ونظامه في 23 تموز 1952.
وفي إطار هذا التوجه أيضاً وجدت نفسها مضطرة للجلاء عن مصر في 13 حزيران 1956, على أمل احتواء الثورة فيما بعد , وتوظيفها لخدمة السياسة البريطانية في إطار نظرية الاستعمار الحديث .
هل نجحت بريطانيا وحلفاؤها في ذلك ؟؟ .
حاولوا ربط دول الوطن العربي وخاصة مصر بسياسة الأحلاف , فطرحوا عام 1951 مشروع ( الدفاع المشترك ) بين الدول العربية والكيان الصهيوني وإيران , قاوم عبدالناصر ذلك المشروع وأفشله .
وفي عام 1954 , طرح مشروع بديل ( حلف بغداد ) الذي تزعمه من الجانب العربي رئيس الحكومة العراقية آنذاك ( نوري السعيد ) ويضم كلاً من العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية , معركة سياسية قوية جداً خاضها عبدالناصر في كل الجبهات العربية والدولية لإفشال ذلك المشروع , فالتقى في شباط 1955 مع جواهر لال نهرو للتنسيق ضد المشروع وفي تموز من نفس العام وفي لقاء آخر مع نهرو في القاهرة صدر بيان مشترك يرفض رفضاً قاطعاً أي حلف عسكري من هذا النوع .
وفي 24 نيسان 1955 , يعقد مؤتمر باندونغ بأندونيسيا يضم أبرز قادة آسيا وأفريقيا لمواجهة سياسة الأحلاف , وتبرز كتلة عدم الإنحياز التي تزعمها عبدالناصر بجدارة وأصبح رمزاً لها على مستوى العالم أجمع , في مواجهة الاستقطاب الدولي عبر منظومة الأحلاف العسكرية .
فهل ينكر خصوم عبدالناصر أنه نجح بجدارة بإدارة الصراع في مواجهة الأحلاف العسكرية فأفشلها جميعاً , بالتالي حقق نصراً آخر في سلسلة انتصاراته ؟؟ .
وفي معركة بناء القوات المسلحة رفض كل شروط الغرب لتسليح الجيش المصري , وفي 27 أيلول 1955 , يعقد اتفاقية لصفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا, وتبدأ عملية بناء الجيش الوطني القادر على حماية الاستقلال والثورة وإنجازات الثورة , فكان ذلك نصراً آخر أضافه عبدالناصر إلى سلسلة انتصاراته .
وفي الوقت نفسه كان يخوض بجدارة معركة بناء الإقتصاد المصري , حيث أنهت حكومة الثورة في أواخر عام 1954 الدراسات الخاصة ببناء السد العالي , وحصلت على موافقة البنك الدولي على تمويل المشروع , كما وافقت على المشاركة في التمويل كل من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا لكن بشروط قاومها عبدالناصر ورفضها نهائياً ورفض حتى مناقشتها .
وفي 16 أيار 1956 , أعلن اعترافه بدولة الصين الشعبية , متحدياً إرادة أمريكا التي حاربت العالم أجمع لعزل الصين دولياً آنذاك بسبب اشتراكها في الحرب الكورية ضد الولايات المتحدة الأمريكية , ورداً على ذلك أعلنت أمريكا في 19 تموز 1956 تخليها عن المساهمة في تمويل مشروع السد العالي , ولحصار عبدالناصر تبعها على الفور كل من بريطانيا وفرنسا والبنك الدولي .
في 23 تموز 1956 , أعلن عبدالناصر في خطاب جماهيري , أنه سوف يرد قريباً وسوف يبني السد العالي رغماً عن كل قوى الإستعمار.
وجاء رده سريعاً مفاجئاً في 26 تموز 1956, بقرار تأميم قناة السويس لتمويل مشروع السد العالي , حيث كان دخل القناة آنذاك / 40 / مليون جنيه إسترليني سنوياً , كانت حصة مصر منها /1/ مليون جنيه فقط .
في اليوم التالي 27 تموز تقدمت بريطانيا باعتبارها المساهم الأكبر باحتجاج رفض عبدالناصر استلامه .
وفي اليوم التالي 28 تموز هددت كل من فرنسا وبريطانيا باحتلال مصر , فكان رد عبدالناصر أنه يعرف أيضاً كيف يرد على ذلك .
وفي اليوم التالي 29 تموز تعلن كل من فرنسا وبريطانيا تجميد الأموال المصرية , وفي 30 تموز تعلن الولايات المتحدة الأمريكية وضع الأموال المصرية وأموال شركة قناة السويس تحت رقابتها .
أعلن الإتحاد السوفييتي وكتلة عدم الانحياز تأييد مصر والاعتراف بحقها في التأميم , وتوالت الأحداث بوتائر متسارعة جداً , تنذر بالمواجهة العسكرية التي لم تكن غائبة عن حسابات عبدالناصر .
توالت المحاولات لإقناع عبدالناصر بالتراجع , تارة بالتهديد وأخرى بالإغراء , ورفض الإنذار البريطاني الفرنسي المشترك , في حين أشار عليه بعض ضباط الثورة بالتراجع وتسليم أنفسهم مع عبدالناصر للسفارة البريطانية كما اشترط الإنذار , إلا أنه بحسه الثوري الوطني كان يدرك أن كل ما تحقق حتى الآن ليس إلا الخطوة الأولى على طريق التحرير والاستقلال , أي أنه لم يحقق شيئاً بعد , والتراجع يعني العودة إلى دائرة الاحتلال والتبعية .
وتجسيداً لما آمن به الشعب العربي في مصر منذ عقود طويلة ( الاستقلال التام أو الموت الزؤام ) ورفضاً منه لسياسة أنصاف الحلول توجه إلى الأزهر الشريف ليعلن أنه لن يتراجع وسوف يقاتل ولن يستسلم .
في 29 تشرين الأول 1956 , بدأت الدول الثلاث ( بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ) عدوانها العسكري المعروف بالعدوان الثلاثي .
اشتعلت شوارع الوطن العربي والعالم أجمع تأييداً لمصر ولعبدا لناصر, وفي 5 تشرين الثاني , وجه رئيس وزراء الإتحاد السوفييتي ( بولجانين )إنذاره المشهور بضرب باريس ولندن وتل أبيب إن لم يتوقف العدوان وتنسحب القوات المعتدية إلى مواقعها قبل العدوان .
في 6 تشرين الثاني , أصدر مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار , واضطرت الدول المعتدية الثلاثة إلى وقف العدوان أمام التهديد السوفييتي وأمام ضغط الرأي العام العالمي وضغوط الولايات المتحدة الأمريكية , التي لم تكن مستعدة لمواجهة الإتحاد السوفييتي لحساب مغامرات حلفائها أولاً , والتي كانت تنتظر إنهاء الوجود البريطاني في المنطقة لتحل محلها , عبر ما عرف آنذاك بمشروع ( إيزنهاور ) , الذي طرحه الرئيس الأمريكي إيزنهاور بعد انتهاء العدوان الثلاثي مباشرة يوم 5 كانون الثاني 1957, بحجة مواجهة الخطر الشيوعي المتنامي في المنطقة , والذي تصدى له عبدالناصر بالرفض حتى أجبر إيزنهاور على نسيانه واستبداله بمشروع آخر تصدى له عبدالناصر فأفشله ( الحلف الإسلامي ) بزعامة الملك سعود , الذي كان متحمساً لإسقاط عبدالناصر الذي أصبح زعيماً لحركة القومية العربية التي يرفضها ويعاديها الملك سعود وكل آل سعود .
لقد هزم عبدالناصر عسكرياً في مواجهة جيوش العدوان الثلاثي , هذه حقيقة لا ننكرها , وذلك أمر طبيعي جداً لدولة لا تزال في بدايات مرحلة النهوض والبناء بعد عامين من الاستقلال وإخراج المحتل , في مواجهة ثلاث دول منها دولتين عظمتين , والثالثة هي الأقوى في المنطقة .
لكن المقياس الأخير للنصر أو الهزيمة في أية مواجهة هو مدى النجاح أو الفشل في تحقيق الهدف من المواجهة , أو مدى النجاح أو الفشل في منع الطرف الآخر من تحقيق هدفه من المواجهة , فهل ينكر خصوم عبدالناصر أن المواجهة انتهت بفشل العدوان الثلاثي , وبالتالي نجح عبدالناصر بتحقيق حلم راود المصريين عشرات السنين , وهو عودة قناتهم إلى سيادتهم .
لقد هزم الجيش المصري عسكرياً , إلا أن عبدالناصر وقبل قرار التأميم قد أحسن قراءة خارطة العلاقات الدولية والصراع الدولي , في ظل مرحلة الحرب الباردة والتوازن الدولي , بالتالي قرر بإصرار خوض المعركة التي كان يدرك أن الحسم النهائي فيها للمعركة السياسية , فانتصر في ساحة المواجهة السياسية , مستثمراً الظروف الدولية السائدة آنذاك وحالة المد الثوري التحرري لدى كل شعوب الأرض , الذي أمده بالدعم الجماهيري في كل أنحاء العالم .
في 9 نيسان 1957 , تم تطهير القناة واستؤنفت فيها الملاحة بإدارة مصر عبدالناصر , التي اشترطت على كل دول العالم أن تدفع رسوم المرور بالقناة مقدماً .
وانتهت معركة التأميم بفشل العدوان الثلاثي , الذي أرادوا من ورائه إسقاط عبدالناصر , وانتهت المواجهة بسقوط ( أنتوني إيدن ) رئيس وزراء بريطانيا , وسقوط ( جي موليه ) رئيس وزراء فرنسا , وارتفع شأن عبدالناصر في الساحتين العربية والدولية , وأصبح نضال مصر مثلاً يحتذى شجع كل الشعوب المقهورة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على مقارعة الإستعمار ومواصلة النضال الوطني باتجاه التحرر والاستقلال , وأصبح عبدالناصر رمزاً عالمياً للنضال الوطني .
فهل ينكر خصوم عبدالناصر أن عبدالناصر أضاف نصراً آخر إلى سلسلة انتصاراته ؟؟ .
واستكمالاً لمعركة التحرير والاستقلال , كان لابد من معركة تحرير الاقتصاد الوطني لتعزيز الاستقلال السياسي , فأصدر عبدالناصر قراراً بتأميم كل المؤسسات المالية والتجارية لكل من فرنسا وبريطانيا , وأصبحت مصر لأول مرة حرة مستقلة سياسياً واقتصادياً , وأصبح عبدالناصر حراً مستقلاً , قادراً على توجيه اقتصاديات مصر لخدمة الأهداف الوطنية والقومية , وبناء المجتمع الاشتراكي في إطار معركة القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال استكمالاً لمسيرة المبادئ الستة للثورة .
فهل ينكر خصوم عبدالناصر حجم الإنجازات في عهد الثورة لإعادة بناء مصر الحديثة ؟؟ .
واستكمالاً لمسيرة الثورة في الاتجاه القومي العربي , كانت مصر عبدالناصر أول من اعترف بالنظام الجمهوري في اليمن الذي أعلنه الضباط الأحرار في اليمن إثر ثورة 26 أيلول 1962 , الثورة التي أطاحت بأسرة حميد الدين التي حكمت اليمن تحت مظلة الاستعمار البريطاني ودعم الأسرة السعودية العميلة .
ولم يتأخر عبدالناصر بتلبية نداء الضباط الأحرار في اليمن طلباً للعون والمساعدة من مصر الثورة , لمواجهة التدخل العسكري السعودي البريطاني لضرب الثورة وإعادة الإمام محمد البدر إلى حكم اليمن , فأرسل عبدالناصر الوحدات العسكرية المصرية اللازمة لمساندة الثورة , إلى أن تمكنت ثورة اليمن من دحر التحالف السعودي البريطاني وبالتالي أرست قواعد النظام الجمهوري في اليمن .
وعملت مصر عبدالناصر على إعادة بناء اليمن على أسس عصرية حديثة في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية , بعد أن كانت حقبة طويلة من الزمن تعيش في العصور الحجرية في ظل أسرة حميد الدين .
بهذا أضاف عبدالناصر إلى سجل انتصاراته انتصاراً آخر , فهل ينكر خصوم عبدالناصر أنه انتصر في اليمن ؟.
بعد سجل الانتصارات هذا جاءت نكسة حزيران 1967 , وبدون الخوض بتفاصيلها فكل من عاصرها وكل من تحدث عنها ممن كانوا في مواقع صنع القرار بمصر , يؤكد انه لولا الطابور الخامس لما كان من الممكن حصول النكسة , مع كل ذلك وقف عبدالناصر بجرأته الثورية المعهودة في 9/ حزيران 1967 , ليعلن تنحيه عن السلطة كمسؤول عن الهزيمة .
إلا أنه استجاب لتمسك جماهير الأمة من المحيط إلى الخليج بقيادته , ووقف ليعلن ( أننا خسرنا معركة ولن نخسر الحرب ) , أي أن الحرب لازالت مستمرة مع الكيان الصهيوني .
ومنذ العاشر من حزيران 1967, عمل على إعادة يناء القوات المسلحة على أسس جديدة لمواصلة الحرب مع العدو الصهيوني , وخاضت مصر بقيادة عبدالناصر حرب الاستنزاف التي دامت ثلاث سنوات , سجلت خلالها القوات المسلحة ملاحم بطولية عسكرية مشهود لها.
وقد تمكن عبدالناصر من إعادة تأهيل الجيش المصري وإعداده لعبور قناة السويس وتحرير سيناء .
إلا أن مشيئة الله في 28 أيلول 1970 , أبت إلا أن يكون عبدالناصر غائباً عن العبور , ليكون العبور فيما بعد خطوة نحو الإستسلام بقيادة المرتد الخائن أنور السادات , بدلاً من أن يكون خطوة نحو التحرير كما أراده عبدالناصر .
وبعد 36 عاماً على غيابه , يكفي عبدالناصر شرفاً , أنه القائد الوحيد في التاريخ العربي الحديث والمعاصر الذي لا تزال جماهير الأمة ترفع إسمه وصوره في مواسم الغضب والاحتجاج على حالة الذل والهوان التي أوصلتنا إليها زعامات ما بعد عبدالناصر , قيادات الأنظمة الأمريكية الحاكمة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج .
ويكفي عبدالناصر وكل تلاميذه شرفاً , بعد 36 عاماً على غيابه , أن ( هوغو شافيز ) الثائر الفنزويلي المتمرد الوحيد على النازية الأمريكية الداعمة للإرهاب الصهيوني , يعلن بفخر واعتزاز انتماءه للناصرية ولعبد الناصر .
أخيراً:
ولاءً ووفاءً منا لعبدالناصر في ذكرى رحيله :
( نقسم بالله العلي القدير , أن نحفظ الميثاق , ونحفظ الثورة ) وفلسفة الثورة .
( وعندما يسألنا أولادنا :
في أي عصر عشتم ؟
نجيبهم :
في عصر عبدالناصر ) .
لنرسم لجيل قادم من أولادنا , معالم الطريق لمتابعة مسيرة عبدالناصر .
 
 
Graphic by Martin
A Man ... A Nation ...


الـرجوع الى الفهـرس للمتابعة والمواصلة

 



eXTReMe Tracker  

© 2007  جميع الحقوق محفوظة لكل من سامى شرف ويحى الشاعر

© 2007 Yahia Al Shaer. All rights reserved.

This web site is maintained by

 

ICCT, International Computer Consulting & Training, Germany, US



Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Allwebco Web Templates · Build your own toolbar · Financial Data · Audio, Fonts, Clipart
powered by a free webtools company bravenet.com